فخر الدين الرازي

422

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عشرة مساكين لزمته الكفارة بالاطعام ، وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام وعند أبي حنيفة رحمه اللَّه ، يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا يجب فيه الزكاة ، فجعل من لا زكاة عليه عادما . حجة الشافعي رحمه اللَّه أنه تعالى علق جواز الصيام على عدم وجدان هذه الثلاثة ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، فعند عدم وجدان هذه الثلاثة وجب أن لا يجوز الصوم ، تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوما وليلة لأن ذلك كالأمر المضطر إليه ، وقد رأينا في الشرع أنه متى وقع التعارض في حق النفس وحق الغير كان تقديم حق النفس واجبا ، فوجب أن تبقى الآية معمولا بها في غير هذه الصورة . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه اللَّه في أصح قوليه : أنه يصوم ثلاثة أيام إن شاء متتابعة وإن شاء متفرقة . وقال أبو حنيفة : يجب التتابع . حجة الشافعي : أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام ، والآتي بصوم ثلاثة أيام على التفرق آت بصوم ثلاثة أيام ، فوجب أن يخرج عن العهدة . حجة أبي حنيفة رحمه اللَّه ، ما روي في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود : فصوم ثلاثة أيام متتابعات ، وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما . والجواب أن القراءة الشاذة مردودة لأنها لو كانت قرآنا لنقلت نقلا متواترا ، إذ لو جوزنا في القرآن أن لا ينقل على التواتر لزم طعن الروافض والملاحدة في القرآن وذلك باطل ، فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة ، فلا تصلح لأن تكون حجة . وأيضا نقل في قراءة أبي بن كعب أنه قرأ ( فعدة من أيام أخر متتابعات ) مع أن التتابع هناك ما كان شرطا ، وأجابوا عنه بأنه روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن رجلا قال له علي أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك قال بلى ، قال / فاللَّه أحق أن يعفو وأن يصفح » . قلنا : فهذا الحديث وإن وقع جوابا عن هذا السؤال في صوم رمضان إلا أن لفظه عام ، وتعليله عام في جميع الصيامات ، وقد ثبت في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكان ذلك من أقوى الدلائل على جواز التفريق هاهنا أيضا . المسألة الثالثة : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأه سواء عين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين أو لا والدليل عليه أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام عليه ، وقد أتى بها ، فوجب أن يخرج عن العهدة . ثم قال تعالى : ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ قوله ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة ، أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وخنثتم لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف ، إلا أنه حذف ذكر الحنث لكونه معلوما ، كما قال : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] أي فأفطر . احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال : الآية دلّت على أن كل واحد من الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف ، فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين ،