فخر الدين الرازي

420

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يقال : الواجب عليه أن يدخل في الوجود واحدا من هذه الثلاثة لا بعينه . وهذا محال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معينا في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته ، وما كان كذلك فإنه لا يراد به التكليف ، الثاني : أن يقال : الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم اللَّه تعالى ، إلا أنه مجهول العين عند الفاعل ، وذلك أيضا محال لأن كون ذلك الشيء واجبا بعينه في علم اللَّه تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال ، وأجمعت الأمة على أنه يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره ، والجمع بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات وهو محال ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه اللَّه نصيب كل مسكين مد ، وهو ثلثا من ، وهو قول ابن / عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه الواجب نصف صاع من الحنطة ، وصاع من غير الحنطة . حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الإطعام إلا قوله مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطا في العرف ، أو ما كان متوسطا في الشرع ، فإن كان المراد ما كان متوسطا في العرف فثلثا من من الحنطة إذا جعل دقيقا أو جعل خبزا فإنه يصير قريبا من المن ، وذلك كاف في قوت اليوم الواحد ظاهرا ، وإن كان المراد ما كان متوسطا في الشرع فلم يرد في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد ، وهو ما روي في خبر المفطر في نهار رمضان أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أمره بإطعام ستين مسكينا من غير ذكر مقدار ، فقال الرجل : ما أجد فأتي النبي صلى اللَّه عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعا ، فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم أطعم هذا ، وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع ، وهو مد ، ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل ، فكان قدرها معتبرا بصدقة الفطر ، وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد . وحجة أبي حنيفة رحمه اللَّه أنه تعالى قال : مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ والأوسط هو الأعدل والذي ذكره الشافعي رحمه اللَّه هو أدنى ما يكفي ، فأما الأعدل فيكون بإدام ، وهكذا روي عن ابن عباس رحمهما اللَّه : مد معه إدامه ، والإدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب . أجاب الشافعي رحمه اللَّه بأن قوله مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ يحتمل أن يكون المراد التوسط في القدر ، فإن الإنسان ربما كان قليل الأكل جدا يكفيه الرغيف الواحد ، وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان ، إلا أن المتوسط الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن ، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في القيمة لا يكون غالبا كالسكر ، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة ، والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب والخبز ، ويحتمل أن يكون المراد الأوسط في الطيب واللذاذة ، ولما كان اللفظ محتملا لكل واحد من الأمرين فنقول : يجب حمل اللفظ على ما ذكرناه لوجهين : الأول : أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام . الثاني : أن هذا القدر واجب بيقين ، والباقي مشكوك فيه لأن اللفظ لا دلالة فيه عليه فأوجبنا اليقين وطرحنا الشك واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه اللَّه : الواجب تمليك الطعام . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : إذا غدى أو عشى عشرة مساكين جاز .