فخر الدين الرازي

417

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لذات الدنيا وطيباتها ، فكلما كان ذلك الإعراض أتم وأدوم كان ذلك الميل أضعف والرغبة أقل ، وحينئذ تتفرغ النفس لطلب معرفة اللَّه تعالى والاستغراق في خدمته ، وإذا كان الأمر كذلك فما الحكمة في نهي اللَّه تعالى عن الرهبانية ؟ والجواب : عنه من وجوه : الأول : أن الرهبانية المفرطة والاحتراز التام عن الطيبات واللذات مما يوقع الضعف في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ ، وإذا وقع الضعف فيهما اختلف الفكرة وتشوش العقل . ولا شك أن أكمل السعادات وأعظم القربات إنما هو معرفة / اللَّه تعالى ، فإذا كانت الرهبانية الشديدة مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع النهي عنها . والثاني : وهو أن حاصل ما ذكرتم أن اشتغال النفس بطلب اللذات الحسيّة يمنعها عن الاستكمال بالسعادات العقلية ، وهذا مسلم لكن في حق النفوس الضعيفة ، أما النفوس المستعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في الأعمال الحسيّة مانعا لها من الاستكمال بالسعادات العقلية ، فإنا نشاهد النفوس قد تكون ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها الاشتغال بهم آخر ، وكلما كانت النفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل ، وإذا كان كذلك كانت الرهبانية الخالصة دليلا على نوع من الضعف والقصور ، وإنما الكمال في الوفاء بالجهتين والاستكمال في الناس . الثالث : وهو أن من استوفى اللذات الحسيّة ، كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية فإن رياضته ومجاهدته أتم من رياضة من أعرض عن اللذات الحسيّة ، لأن صرف حصة النفس إلى جانب الطاعة أشق وأشد من الاعراض عن حصة النفس بالكلية ، فكان الكمال في هذا أتم . الرابع : وهو أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل . وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة والمحبة والطاعات فإنه يفيد عمارة الدنيا والآخرة ، فكانت هذه الحالة أكمل ، فهذا جملة الكلام في هذا الوجه . القول الثاني : في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال ، وهو أنه تعالى قال في أول السورة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فبيّن أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك لا يجوز تحريم المحلل ، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه اللَّه تعالى ، وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقد حكى اللَّه تعالى ذلك في هذه السورة وفي سورة الأنعام ، وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما ، فأمر اللَّه تعالى أن لا يحرموا ما أحل اللَّه ولا يحللوا ما أحل اللَّه ولا يحللوا ما حرّمه اللَّه تعالى حتى يدخلوا تحت قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] . المسألة الثانية : قوله لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يحتمل وجوها : أحدها : لا تعتقدوا تحريم ما أحل اللَّه تعالى لكم ، وثانيها : لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله اللَّه لكم ، وثالثها : لا تجتنبوا عنها اجتنابا شبيه الاجتناب من المحرمات ، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل ، ورابعها : لا تحرموا على غيركم بالفتوى ، وخامسها : لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [ التحريم : 1 ] وسادسها : أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطا لا يمكنه التمييز ، وحينئذ يحرم الكل ، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كان حلالا له ، وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر ، والآية محتملة لكل هذه الوجوه ، ولا يبعد حملها على الكل واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قوله وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [ البقرة : 190 ] فيه وجوه : الأول : أنه تعالى / جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلما فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها ، والثاني : أنه لما أباح