فخر الدين الرازي
415
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها . وأما قوله تعالى : مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ أي مما نزل على محمد وهو الحق . فإن قيل : أي فرق بين ( من ) وبين ( من ) في قوله مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ . قلنا : الأولى : لابتداء الغاية ، والتقدير : أن فيض الدمع إنما ابتدئ من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه ، والثانية : للتبعيض ، يعني أنهم عرفوا بعض الحق وهو القرآن فأبكاهم اللَّه ، فكيف لو عرفوا كله . وأما قوله تعالى : يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا أي بما سمعنا وشهدنا أنه حق فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وفيه وجهان : الأول : يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يشهدون بالحق ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] والثاني : أي مع كل من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك . وأما قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 84 ] وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) ففيه مسألتان : الأولى : قال صاحب « الكشاف » محل لا نُؤْمِنُ النصب على الحال بمعنى غير مؤمنين ، كقولك قائما ، والواو في قوله وَنَطْمَعُ واو الحال . فإن قيل : فما العامل في الحال الأولى والثانية . قلنا : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل ، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين ، وفي الثاني معنى هذا الفعل ولكن مقيدا بالحال الأولى ، لأنك لو أزلتها وقلت : وما لنا ونطمع لم يكن كلاما ، ويجوز أن يكون وَنَطْمَعُ حالا من لا نُؤْمِنُ على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون اللَّه ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين ، وأن يكون معطوفا على / قوله لا نُؤْمِنُ على معنى : وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين . المسألة الثانية : تقدير الآية : ويدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنّته ودار رضوانه ، قال تعالى : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ [ الحج : 59 ] إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما . ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 85 إلى 86 ] فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول لأنه تعالى قال : فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب . وأجابوا عنه من وجهين : الأول : أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا ، وهو المعرفة ، وذلك هو قوله مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [ المائدة : 83 ] فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم