فخر الدين الرازي

395

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً [ البقرة : 67 ] ولم يقل : فقالوا أتتخذنا هزوا . وأما قوله وَلُعِنُوا بِما قالُوا قال الحسن : عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . ثم قال تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ . واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات ، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد ، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد . قال تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] وتارة بإثبات اليدين للَّه تعالى : منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] وتارة بإثبات الأيدي . قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [ يس : 71 ] . إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد اللَّه تعالى ، فقالت المجسمة : إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها [ الأعراف : 195 ] وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء ، فلو لم تحصل للَّه هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلها ، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا وأيضا اسم اليد موضوع لهذا العضو ، فحمله على شيء آخر ترك للغة ، وإنه لا يجوز . واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم ، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون ، وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وكل ما كان متناهيا في المقدار فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك كان قابلا للتركيب والانحلال ، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركّبه ويؤلّفه ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسما ، فيمتنع أن تكون يده عضوا جسمانيا . وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان : الأول : قول من يقول : القرآن لما دلّ / على إثبات اليد للَّه تعالى آمنا به ، والعقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد اللَّه عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض آمنا به ، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى اللَّه تعالى ، وهذا هو طريقة السلف . وأما المتكلمون فقالوا : اليد تذكر في اللغة على وجوه : أحدها : الجارحة وهو معلوم ، وثانيها : النعمة ، تقول : لفلان عندي يد أشكره عليها ، وثالثها : القوة قال تعالى أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ [ ص : 45 ] فسروه بذوي القوى والعقول ، وحكى سيبويه أنهم قالوا : لا يد لك بهذا ، والمعنى سلب كمال القدرة ورابعها : الملك ، يقال : هذه الضيعة في يد فلان ، أي في ملكه . قال تعالى : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [ البقرة : 237 ] أي يملك ذلك ، وخامسها : شدة العناية والاختصاص . قال تعالى : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف ، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات . ويقال : يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئا . إذا عرفت هذا فنقول : اليد في حق اللَّه يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة ، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة .