فخر الدين الرازي

392

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ في قوله تعالى وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ] فيه مسائل : المسألة الأولى : قالوا : نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون على الرسول عليه الصلاة والسلام ويظهرون له الإيمان نفاقا ، فأخبره اللَّه عزّ وجلّ بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شيء من دلائلك وتقريراتك ونصائحك وتذكيراتك . المسألة الثانية : الباء في قوله دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ . . . خَرَجُوا بِهِ يفيد بقاء الكفر معهم حالتي الدخول والخروج من غير نقصان ولا تغيير فيه البتة ، كما تقول : دخل زيد بثوبه وخرج به ، أي بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال الدخول . المسألة الثالثة : ذكر عند الدخول كلمة « قد » فقال وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وذكر عند الخروج كلمة هُمْ فقال : وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ قالوا : الفائدة في ذكر كلمة « قد » تقريب الماضي من الحال ، والفائدة في ذكر كلمة « هم » التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من النبي صلى اللَّه عليه وسلم في ذلك فعل ، أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا ، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي الدخول والخروج على سبيل الذم ، وبالغ في تقرير تلك الإضافة بقوله وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ فدل هذا على أنه من العبد لا من اللَّه . والجواب : المعارضة بالعلم والداعي . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ والغرض منه المبالغة فيما في قلوبهم من الجد والاجتهاد في المكر بالمسلمين والكيد بهم والبغض والعداوة لهم ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 62 ] وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) المسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة . قيل : الإثم الكذب ، والعدوان الظلم . وقيل : الإثم ما يختص بهم ، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم ، وأما أكل السحت فهو أخذ الرشوة ، وقد تقدم الاستقصاء في تفسير السحت ، وفي الآية فوائد : الفائدة الأولى : أنه تعالى قال : وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ والسبب أن كلهم ما كان يفعل ذلك ، بل كان بعضهم يستحيي فيترك . الفائدة الثانية : أن لفظ المسارعة إنما يستعمل في أكثر الأمر في الخير . قال تعالى : يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ * [ آل عمران : 114 ] وقال تعالى : نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 56 ] فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة ، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدة ، وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيه . الفائدة الثالثة : لفظ الإثم يتناول جميع المعاصي والمنهيات ، فلما ذكر اللَّه تعالى بعده العدوان وأكل السحت دلّ هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع المعصية والإثم ثم قال تعالى :