فخر الدين الرازي

388

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [ البينة : 1 ] صريح في كونهم كفارا ، وطريق التوفيق بينهما أن كفر المشركين أعظم وأغلظ ، فنحن لهذا السبب نخصصهم باسم الكفر . واللَّه أعلم المسألة الرابعة : معنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم إظهارهم ذلك باللسان مع الإصرار على الكفر في القلب ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] والمعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزوا وسخرية فلا تتخذوهم أولياء وأنصارا وأحبابا ، فإن ذلك الأمر الخارج عن العقل والمروءة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 58 ] وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا ذكر هاهنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزوا ولعبا فقال : وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً وفيه مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله اتَّخَذُوها للصلاة أو المناداة . قيل : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول : أشهد أن محمدا رسول اللَّه يقول : احرق الكاذب ، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله . وقيل : كان منادي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ينادي للصلاة وقام المسلمون إليها ، فقالت اليهود : قاموا لا قاموا ، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء ، فنزلت الآية . وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها . وقيل : قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع فيما مضى ، فإن كنت نبيا فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء ، فمن أين لك صياح كصياح العير ، فأنزل اللَّه هذه الآية . المسألة الثانية : قالوا : دلّت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده . المسألة الثالثة : قوله هُزُواً وَلَعِباً أمران ، وذلك لأنهم عند إقامة الصلاة يقولون : هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاء بالمسلمين وسخرية منهم ، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك . ولما اعتقدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا إنها لعب . ثم قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا ، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم ، ولذلك قال بعض الحكماء : أشرف الحركات الصلاة ، وأنفع السكنات الصيام . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 59 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ( 59 ) [ في قوله تعالى قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ] اعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزوا ولعبا قال لهم : ما الذي تنقمون من هذا الدين ، وما الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزوا ولعبا وفي الآية مسائل :