فخر الدين الرازي

386

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف . أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، والولاية بمعنى النصرة عامة ، فجوابه من وجهين : الأول : لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، ولا نسلم أن كلمة ( إنما ) للحصر ، والدليل عليه قوله إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [ يونس : 24 ] ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل ، وقال إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ * [ محمد : 36 ] ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها . الثاني : لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين ، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين : أحدهما : الذين جعلهم موليا عليهم وهم المخاطبون بقوله إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ والثاني : الأولياء ، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، فإذا فسرنا الولاية هاهنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصارا للقسم الثاني . ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين ، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم ، وذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة ، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة ، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لا بدّ من التأمل فيه . وأما استدلالهم بأن هذه الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع ، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة ، والمراد أن اللَّه تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين ، ومنهم من يقول : إنها نزلت في حق أبي بكر . وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع ، وذلك هو علي بن أبي طالب فنقول : هذا أيضا ضعيف من وجوه : الأول : أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى وَآتُوا الزَّكاةَ * [ البقرة : 43 ] فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب ، وذلك عند أكثر العلماء معصية ، وأنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام ، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله وَآتُوا الزَّكاةَ * ظاهره يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب . الثاني : وهو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر اللَّه حال ما يكون في الصلاة ، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه ، ولهذا قال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً / وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ آل عمران : 191 ] ومن كان قلبه مستغرقا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير . الثالث : أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير ، واللائق بحال علي عليه السلام أن لا يفعل ذلك . الرابع : أن المشهور أنه عليه السلام كان فقيرا ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه ، ولذلك فإنهم يقولون : إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة هَلْ أَتى [ الإنسان : 1 ] وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيرا ، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص ، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ عليه . الوجه الخامس : هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب ، وقد سبق الكلام فيه .