فخر الدين الرازي
362
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 43 ] وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) ثم قال تعالى : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا تعجيب من اللَّه تعالى لنبينه عليه الصلاة والسلام بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم ، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة ، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه : أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم ، والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل ، والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه ، فبيّن اللَّه تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب اللَّه ومن المحافظين على أمر اللَّه ، وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : قوله فِيها حُكْمُ اللَّهِ ما موضعه من الاعراب ؟ الجواب : إما أن ينصب حالا من التوراة ، وهي مبتدأ خبرها عِنْدَهُمُ وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم اللَّه تعالى ، وإما أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ، كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره ؟ السؤال الثاني : لم أنث التوراة ؟ والجواب : الأمر فيه مبني على ظاهر اللفظ . المسألة الثانية : احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لا زم علينا ما لم ينسخ وهو ضعيف ، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه ، لكن الشرع نهى عن النظر فيها . بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم ، لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم . ثم قال تعالى : ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ قوله ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ معطوف على قوله يُحَكِّمُونَكَ وقوله ذلِكَ إشارة إلى حكم اللَّه الذي في التوراة ، ويجوز أن يعود إلى التحكيم . وقوله وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ فيه وجوه : الأول : أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها ، والثاني : ما أولئك بالمؤمنين : إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي . الثالث : أنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك ، وذلك يدل على أنه لا إيمان لهم بشيء . وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح الدنيا فقط . تمّ الجزء الحادي عشر ، ويليه إن شاء اللَّه تعالى الجزء الثاني عشر ، وأوله قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ من سورة المائدة . أعان اللَّه على إكماله .