فخر الدين الرازي

357

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لجزاء فعلهم ، وكذلك نَكالًا مِنَ اللَّهِ فإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دلّ عليه فَاقْطَعُوا والتقدير : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من اللَّه . أما قوله وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فالمعنى : عزيز في انتقامه ، حكيم في شرائعه وتكاليفه . قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت ( والله غفور رحيم ) سهوا ، فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ فقلت كلام اللَّه . قال أعد ، فأعدت : ( واللَّه غفور رحيم ) ، ثم تنبهت فقلت وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فقال : الآن أصبت ، فقلت كيف عرفت ؟ قال : يا هذا عزيز حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 39 ] فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : دلّت الآية على أن من تاب فإن اللَّه يقبل توبته ، فإن قيل : قوله وَأَصْلَحَ يدل على أن مجرد التوبة غير مقبول . قلنا : المراد من قوله وَأَصْلَحَ أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن سائر الأغراض . المسألة الثانية : إذا تاب قبل القطع تاب اللَّه عليه ، وهل يسقط عنه الحد ؟ قال بعض العلماء التابعين : يسقط عنه الحد ، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر هذه الآية يدل على سقوط العقوبة عنه ، والعقوبة المذكورة في هذه الآية هي الحد ، فظاهر الآية يقتضي سقوطها . وقال الجمهور : لا يسقط عنه هذا الحد ، بل يقام عليه على سبيل الامتحان . المسألة الثالثة : دلّت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على اللَّه تعالى لأنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والإحسان ، لا بأداء الواجبات ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 40 ] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 ) واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة . قال الواحدي : الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز ، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع ، ووجوب العذاب للعاصي على اللَّه ، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك . وأقول : فيه وجه آخر يبطل قولهم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا قوله أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثم رتب عليه قوله يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة ، والمغفرة أخرى ، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم ، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون : إنه تعالى