فخر الدين الرازي

343

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إسرائيل . الثاني : أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل ؟ والجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : قال الحسن : هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ، والثاني : أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه ، ولكن قوله مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل ، بل هو إشارة إلى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام ، منها قوله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ [ المائدة : 30 ] ومنها قوله فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [ المائدة : 31 ] فقوله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ إشارة إلى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا ، وقوله فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ إشارة إلى أنه حصل في قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له البتة ، فقوله مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص في حق القاتل ، وهذا جواب حسن واللَّه أعلم . وأما السؤال الثاني : فالجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان عاما في جميع الأديان والملل ، إلا أن التشديد المذكور هاهنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم هاهنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس ، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة العظيمة في شرح عقاب القتل العمد العدوان ، والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل . وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة اللَّه تعالى ، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وبأكابر أصحابه ، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسبا للكلام ومؤكدا للمقصود . المسألة الثانية : قرئ « من أجل ذلك » بحذف الهمزة وفتح النون لا لقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر « من أجل ذلك » بكسر الهمزة ، وهي لغة ، فإذا خفف كسر النون ملقيا لكسر الهمزة عليها . المسألة الثالثة : قال القائلون بالقياس : دلت الآية على أن أحكام اللَّه تعالى قد تكون معللة بالعلل ، وذلك لأنه تعالى قال : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ كذا وكذا ، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله مِنْ أَجْلِ ذلِكَ والمعتزلة أيضا قالوا : دلت هذه الآية على أن أحكام اللَّه تعالى معللة بمصالح العباد ، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقا للكفر والقبائح فيهم مريدا وقوعها منهم ، لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعيا للمصالح . وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية . قال أصحابنا : القول بتعليل أحكام اللَّه تعالى محال لوجوه : أحدها : أن العلة إن كانت قديمة لزم قدم المعلول ، وإن كانت محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل ، وثانيها : لو كان معللا بعلة فوجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إلى اللَّه تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة ، وإن لم يكن على السوية فأحدهما به أولى ، وذلك يقتضي كونه مستفيدا تلك الأولوية من ذلك الفعل ، فيكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره وهو محال . وثالثها : أنه قد ثبت توقف الفعل على الدواعي ، ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي ، بل يجب انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من اللَّه ، وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل ، وعلى هذا التقدير فالكل من اللَّه ، وهذا يمنع من تعليل أفعال اللَّه تعالى وأحكامه . فثبت أن ظاهر هذه الآية من