فخر الدين الرازي

339

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وحقيقة التقوى أمور : أحدها : أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقى بأقصى ما يقدر عليه عن جهات التقصير ، وثانيها : أن يكون في غاية الاتقاء من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة اللَّه تعالى . وثالثها : أن يتقى أن يكون لغير اللَّه فيه شركة ، وما أصعب رعاية هذه الشرائط ! وقيل في هذه القصة : إن أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه ، والآخر جعل قربانه أردأ ما كان معه . وقيل : إنه أضمر أنه لا يبالي سواء قبل أو لم يقبل ولا يزوج أخته من هابيل . وقيل : كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة ، فلذلك لم يقبل اللَّه قربانه . ثم حكى اللَّه تعالى عن قابيل أنه قال لهابيل لَأَقْتُلَنَّكَ فقال هابيل إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وفي الكلام حذف ، والتقدير : كأن هابيل قال : لم تقتلني ؟ قال لأن قربانك صار مقبولا ، فقال هابيل : وما ذنبي ؟ إنما يتقبل اللَّه من المتقين . وقيل : هذا من كلام اللَّه تعالى لنبيّه محمد صلى اللَّه عليه وسلم اعتراضا بين القصة ، كأنه تعالى بيّن لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم أنه إنما لم يقبل قربانه لأنه لم يكن متقيا . ثم حكى تعالى عن الأخ المظلوم أنه قال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 28 ] لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) السؤال الأول : وهو أنه لم لم يدفع القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس واجب ؟ وهب أنه ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحرام ، فلم قال إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ . والجواب من وجوه : الأول : يحتمل أن يقال : لا ح للمقتول بأمارات تغلب على الظن أنه يريد قتله ، فذكر له هذا الكلام على سبيل الوعظ والنصيحة ، يعني أنا لا أجوز من نفسي أن أبدأك بالقتل الظلم العدوان ، وإنما لا أفعله خوفا من اللَّه تعالى ، وإنما ذكر له هذا الكلام قبل إقدام القاتل على قتله وكان غرضه منه تقبيح القتل العمد في قلبه ، ولهذا يروى أن قابيل صبر حتى نام هابيل فضرب رأسه بحجر كبير فقتله . والوجه الثاني في الجواب : أن المذكور في الآية قوله ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ يعني لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك ، وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع . وقال أهل العلم : الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر ، وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع ، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك . الوجه الثالث : قال بعضهم : المقصود بالقتل إن أراد أن يستسلم جاز له ذلك ، وهكذا فعل عثمان رضي اللَّه تعالى عنه . وقال النبي عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة : « ألق كمك على وجهك وكن عبد اللَّه المقتول ولا تكن عبد اللَّه القاتل » . الوجه الرابع : وجوب الدفع عن النفس أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع . وقال مجاهد : إن الدفع عن النفس ما كان مباحا في ذلك الوقت . السؤال الثاني : لم جاء الشرط بلفظ الفعل ، والجزاء بلفظ اسم الفاعل ، وهو قوله لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ .