فخر الدين الرازي
335
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
نملك إلا أنفسنا ، والثاني : أن يكون أَخِي معطوفا على نَفْسِي فيكون المعنى لا أملك إلا نفسي ، ولا أملك إلا أخي ، لأن أخاه إذا كان مطيعا له فهو مالك طاعته . فإن قيل : لم قال لا أملك إلا نفسي وأخي ، وكان معه الرجلان المذكوران ؟ قلنا : كأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد ، وأيضا لعلّه إنما قال ذلك تقليلا لمن يوافقه ، وأيضا يجوز أن يكون المراد بالأخ من يواخيه في الدين ، وعلى هذا التقدير فكانا داخلين في قوله وَأَخِي . ثم قال : فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون ، وهو في معنى الدعاء عليهم ، ويحتمل أن يكون المراد خلصنا من صحبتهم ، وهو كقوله وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ القصص : 21 ] . ثم أنه تعالى قال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 26 ] قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله فَإِنَّها أي الأرض المقدسة محرمة عليهم ، وفي قوله أَرْبَعِينَ سَنَةً قولان : أحدهما : أنها منصوبة بالتحريم ، أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ، ثم فتح اللَّه تعالى تلك الأرض لهم من غير محاربة ، هكذا ذكره الربيع بن أنس . والقول الثاني : أنها منصوبة بقوله يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أي بقوا في تلك الحالة أربعين سنة ، وأما الحرمة فقد بقيت عليهم وماتوا ، ثم إن أولادهم دخلوا تلك البلدة . المسألة الثانية : يحتمل أن موسى عليه السلام لما قال في دعائه على القوم فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [ المائدة : 25 ] لم يقصد بدعائه هذا الجنس من العذاب ، بل أخف منه . فلما أخبره اللَّه تعالى بالتيه علم أنه يحزن بسبب ذلك فعزاه وهون أمرهم عليه ، فقال فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قال مقاتل : إن موسى لما دعا عليهم أخبره اللَّه تعالى بأحوال التيه ، ثم إن موسى عليه السلام أخبر قومه بذلك ، فقالوا له : لم دعوت علينا وندم موسى على ما عمل ، فأوحى اللَّه تعالى إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ وجائز أن يكون ذلك خطابا لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم ، أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أم لا ؟ فقال قوم : إنهما ما كانا في التيه ، قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أنه عليه السلام دعا اللَّه يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة ، وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان معهم في ذلك الموضع ، والثاني : أن ذلك التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون ، والثالث : أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا وموسى وهارون ما كانا كذلك ، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك العذاب . وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما ، ثم