فخر الدين الرازي

329

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ذلك كأنهم قالوا نحن أبناء اللَّه ، ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنسانا آخر فقد يقولون : نحن ملوك الدنيا ، ونحن سلاطين العالم ، وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان فكذا هاهنا ، والرابع : قال ابن عباس : إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب اللَّه تعالى فقالوا : كيف تخوفنا بعقاب اللَّه ونحن أبناء اللَّه وأحباؤه ، فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة ، وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم : اذهب إلى أبي وأبيكم وجملة الكلام أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلا على سائر الخلق بسبب أسلافهم الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا : نحن أبناء اللَّه وأحباؤه . ثم إنه تعالى أبطل عليهم دعواهم وقال : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ وفيه سؤال ، وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء اللَّه وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم ، فهم ليسوا أبناء اللَّه ولا أحباءه ، والأشكال عليه أن يقال : إما أن تدعوا أن اللَّه عذبهم في الدنيا أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة ، فإن كان موضع الإلزام عذاب الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء اللَّه لأن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم / كان يدعي أنه هو وأمته أحباء اللَّه ، ثم أنهم ما خلوا عن محن الدنيا . انظروا إلى وقعة أحد ، وإلى قتل الحسن والحسين ، وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ينكرون ذلك . ومجرد إخبار محمد صلى اللَّه عليه وسلم ليس بكاف في هذا الباب ، إذ لو كان كافيا لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادعائهم أنهم أحباء اللَّه كافيا ، وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعا . والجواب من وجوه : الأول : أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا ، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول : لو كانوا أبناء اللَّه وأحباءه لما عذبهم اللَّه في الدنيا ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء اللَّه ولم يدع أنه من أبناء اللَّه فزال السؤال . الثاني : أن موضع الإلزام هو عذاب الآخرة ، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر اللَّه تعالى عنهم أنهم قالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] والثالث : المراد بقوله قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فلم مسخكم ، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ، إلا أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة ، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون : لا نسلم أنه تعالى يعذبنا ، بل الأولى أن يحتج عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الاستدلال به قويا متينا . ثم قال تعالى : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له ، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه ، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . واعلم أنا بينا أن مراد القوم من قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ كمال رحمته عليهم وكمال عنايته بهم . وإذا عرفت هذا فمذهب المعتزلة أن كل من أطاع اللَّه واحترز عن الكبائر فإنه يجب على اللَّه عقلا إيصال الرحمة والنعمة إليه أبدا الآباد ، ولو قطع عنه بعد ألوف سنة في الآخرة تلك النعم لحظة واحدة لبطلت إلهيته ولخرج عن صفة الحكمة ، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى : نحن أبناء اللَّه وأحباؤه ، وكما أن قوله يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ إبطال لقول اليهود . فبأن يكون إبطالا لقول المعتزلة أولى وأكمل .