فخر الدين الرازي

326

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وفيه وجهان : الأول : قال ابن عباس : إذا عفوت فأنت محسن ، وإذا كنت محسنا فقد أحبك اللَّه . والثاني : أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين نقضوا عهد اللَّه ، والقول الأول أولى لأن صرف قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ على القول الأول إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لأنه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصفح ، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول ، ولا شك أن الأول أولى . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 14 ] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 ) المراد أن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند اللَّه ، وإنما قال : وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ولم يقل : ومن النصارى ، وذلك لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة اللَّه تعالى ، وهم الذين قالوا لعيسى نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ * [ آل عمران : 52 ] فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدح ، فبين اللَّه تعالى أنهم يدعون هذه الصفة ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند اللَّه تعالى ، وقوله أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ أي مكتوب في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وتنكير الحظ في الآية يدل على أن المراد به حظ واحد ، وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وإنما خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم تركوا الكثير مما أمرهم اللَّه تعالى به لأن هذا هو المعظم والمهم ، وقوله فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ أي ألصقنا العداوة والبغضاء بهم ، يقال : أغرى فلان بفلان إذا ولع به كأنه ألصق به ، ويقال : لما التصق به الشيء : الغراء ، وفي قوله بَيْنَهُمُ وجهان : أحدهما : بين اليهود والنصارى . والثاني : بين فرق النصارى ، فإن بعضهم يكفر بعضا إلى يوم القيامة ، ونظيره قوله أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [ الأنعام : 65 ] وقوله وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وعيد لهم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 15 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود وعن النصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به ، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم فقال يا أَهْلَ الْكِتابِ والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، وإنما وحد الكتاب لأنه خرج مخرج الجنس ، ثم وصف الرسول بأمرين : الأول : أنه يبين لهم كثيرا مما كانوا يخفون . قال ابن عباس : أخفوا صفة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وأخفوا أمر الرجم ، ثم إن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بيّن ذلك لهم ، وهذا معجز لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما من أحد ، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا . الوصف الثاني للرسول : قوله وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ أي لا يظهر كثيرا مما تكتمونه أنتم ، وإنما لم يظهره لأنه