فخر الدين الرازي
320
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 8 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ هذا أيضا متصل بما قبله ، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف اللَّه تعالى . واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلا أنها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر اللَّه تعالى ، والشفقة على خلق اللَّه ، فقوله كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر اللَّه ، ومعنى القيام للَّه هو أن يقوم للَّه بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله شُهَداءَ بِالْقِسْطِ إشارة إلى الشفقة على خلق اللَّه وفيه قولان : الأول : قال عطاء : يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك . الثاني : قال الزجاج : المعنى تبينون عن دين اللَّه ، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه . ثم قال تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا ، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم ، وفي الآية قولان : الأول : أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم ، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤوا عليكم ، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم ، فهذا خطاب عام ، ومعناه أمر اللَّه تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدا إلا على سبيل العدل والإنصاف ، وترك الميل والظلم والاعتساف ، والثاني : أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام . فإن قيل : فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم ؟ قلنا : يمكن ظلمهم أيضا من وجوه كثيرة : منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم ، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء ، ومنها إيقاع المثلة بهم ، ومنها نقض عهودهم ، والقول الأول أولى . ثم قال تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى فنهاهم أولا عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل / ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا ، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ونظيره قوله وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ البقرة : 237 ] أي هو أقرب للتقوى ، وفيه وجهان الأول : هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي اللَّه تعالى ، والثاني : هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب اللَّه وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللَّه تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه . ثم ذكر الكلام الذي يكون وعدا مع المطيعين ووعيدا للمذنبين وهو قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 9 ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) ثم ذكر وعد المؤمنين فقال تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ فالمغفرة إسقاط السيئات كما قال فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] والأجر العظيم إيصال