فخر الدين الرازي

316

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هذا الشرط فوجب أن لا يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم . المسألة السابعة عشرة : لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة . قال طاوس : يلزمه . لنا قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا جوّز له الشروع في الصلاة بالتيمم عند عدم وجدان الماء ، وقد حصل ذلك ، فوجب أن يكون سببا لخروجه عن عهدة التكليف ، لأن الإتيان بالمأمور به سبب للإجزاء . المسألة الثامنة عشرة : لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها ، وبه قال مالك وأحمد خلافا لأبي حنيفة والثوري ، وهو اختيار المزني وابن شريح . لنا أن عدم وجدان الماء يقتضي جواز الشروع في الصلاة بحكم التيمم على ما دلّت الآية عليه ، فقد انعقدت عليه صلاته صحيحة ، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة فنقول : ما لم يبطل صلاته / لا يصير قادرا على استعمال الماء ، وما لم يصر قادرا على استعمال الماء لا تبطل صلاته ، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر ، فيكون دورا وهو باطل . واللَّه أعلم . المسألة التاسعة عشرة : لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلّى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي رحمه اللَّه ، وهو قول أحمد وأبي يوسف ، والقول الثاني أنه لا يلزمه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . حجة القول الثاني أنه عاجز عن الماء لأن عدم الماء كما أنه سبب للعجز عن استعمال الماء ، فكذلك النسيان سبب للعجز ، فثبت أنه عند النسيان عاجز فيه ، فيدخل تحت قوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا وحجة القول الأول أنه غير معذور في ذلك النسيان . المسألة العشرون : إذا ضل رحله في الرحال ففيه الخلاف المذكور ، والأولى أن لا تجب الإعادة . المسألة الحادية والعشرون : إذا نسي كون الماء في رحله ولكنه استقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلّى ثم وجده ، فالأكثرون على أنه تجب الإعادة لأن العذر ضعيف . وقال قوم : لا تجب الإعادة ، لأنه لما استقصى في الطلب صار عاجزا عن استعمال الماء فدخل تحت قوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً . المسألة الثانية والعشرون : لو صلّى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكن استعمال ذلك الماء ، فإن كان قد علمه أولا ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله ، وإن لم يكن عالما بها قط ، فإن كان عليها علامة ظاهرة لزمه الإعادة ، وإن لم يكن عليها علامة فلا إعادة لأنه عاجز عن استعمال الماء ، فدخل تحت قوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فهذا جملة الكلام في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه الآية ، وهي مائة مسألة ، وقد كتبناها في موضع ما كان معنا شيء من الكتب الفقهية المعتبرة ، وكان القلب مشوشا بسبب استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . فنسأل اللَّه تعالى أن يكفينا شرهم ، وأن يجعل كدنا في استنباط أحكام اللَّه من نص اللَّه سببا لرجحان الحسنات على السيئات أنه أعز مأمول وأكرم مسؤول . قوله تعالى : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى مريد ، وهذا متفق عليه بين الأئمة ، إلا أنهم اختلفوا في تفسير