فخر الدين الرازي
309
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ، ترك العمل به في الأجزاء الباطنة التي يتعذر تطهيرها ، وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما ، فوجب بقاؤهما تحت النص ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : « بلوا الشعر وانقوا البشرة » فإن تحت كل شعرة جنابة » فقوله « بلوا الشعر » يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعرا ، وقوله « وانقوا البشرة » يدخل فيه جلدة داخل الفم . المسألة السابعة : شعر الرأس إن كان مفتولا لا مشدودا بعضه ببعض نظر ، فإن كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه ، وقال مالك لا يجب ، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي : يجب . لنا أن قوله فَاطَّهَّرُوا عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن ، فإن كان شد بعض الشعور بالبعض مانعا منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع ، فإن لم يكن مانعا منه لم يجب إزالته ، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه . المسألة الثامنة : قال الأكثرون : لا ترتيب في الغسل ، وقال إسحاق : تجب البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله فَاطَّهَّرُوا أمر بالتطهير المطلق ، وذلك حاصل بإيصال الماء إلى كل البدن ، فإذا حصل التطهير وجب أن يكون كافيا في الخروج عن العهدة . قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ النساء : 43 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ولا يجوز أن يقال : إنه شرط فيه عدم الماء ، لأن عدم الماء يبيح التيمم ، فلا معنى لضمه إلى المرض ، وإنما يرجع قوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً إلى المسافر . المسألة الثانية : المرض على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يخاف الضرر والتلف ، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق . الثاني : أن لا يخاف الضرر ولا التلف ، فههنا قال الشافعي : لا يجوز التيمم ، وقال مالك وداود يجوز ، وحجتهما أن قوله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى يتناول جميع أنواع المرض . الثالث : أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض ، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي رحمه اللَّه . وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما اللَّه ، والدليل عليه عموم قوله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الرابع : أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه ، قال في « الجديد » : لا يتيمم . وقال في « القديم » يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية . المسألة الثالثة : إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلا في بعض جسده دون بعض ، فقال الشافعي رحمه اللَّه : إنه يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : إن كان / أكثر البدن صحيحا غسل الصحيح دون التيمم ، وإن كان أكثره جريحا يكفيه التيمم . حجة الشافعي رحمه اللَّه الأخذ بالاحتياط ، وحجة أبي حنيفة رحمه اللَّه أن اللَّه تعالى جعل المرض أحد أسباب جواز التيمم ، والمرض إذا كان حالا في بعض أعضائه فهو مريض فكان داخلا تحت الآية . المسألة الرابعة : لو ألصق على موضع التيمم لصوقا يمنع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف ، قال الشافعي رحمه اللَّه : يلزمه نزع اللصوق عند التيمم حتى يصل التراب إليه ، وقال الأكثرون :