فخر الدين الرازي
305
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لهذه الآية ، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، وإن قلنا : أنه يكفي فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة مفيدة ، ومعلوم أن حمل الآية على محمل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على محمل تبقى الآية معه مجملة ، فكان المصير إلى ما قلناه أولى . وهذا استنباط حسن من الآية . المسألة السابعة والثلاثون : لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة ، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد : يجوز . لنا أن الآية دالة على أنه يجب المسح على الرأس ، ومسح العمامة ليس مسحا للرأس / واحتجوا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام مسح على العمامة . جوابنا : لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة . المسألة الثامنة والثلاثون : اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما ، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر : أن الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الإمامية من الشيعة . وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود الأصفهاني : يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية . وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل . حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله وَأَرْجُلَكُمْ فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب ، فنقول : أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس ، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذا كسر على الجوار كما في قوله : جحر ضب خرب ، وقوله كبير أناس في بجاد مزمل قلنا : هذا باطل من وجوه : الأول : أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام اللَّه يجب تنزيهه عنه . وثانيها : أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : جحر ضب خرب ، فإن من المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل . وثالثها : أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب ، وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا : إنها توجب المسح ، وذلك لأن قوله وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فرؤوسكم في النصب ولكنها مجرورة بالباء ، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل الرؤوس ، والجر عطفا على الظاهر ، وهذا مذهب مشهور للنحاة . إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله وَأَرْجُلَكُمْ هو قوله وَامْسَحُوا ويجوز أن يكون هو قوله فَاغْسِلُوا لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى ، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله وَأَرْجُلَكُمْ هو قوله وَامْسَحُوا فثبت أن قراءة وَأَرْجُلَكُمْ بنصب اللام توجب المسح أيضا ، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ، ثم قالوا : ولا يجوز دفع ذلك