فخر الدين الرازي
98
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يعفو عنها ، فلا جرم قال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور ، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك / لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية ، وبالإجماع هي غير مغفورة ، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك . الثاني : أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود ، فلو لا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك ، وإلا لم يكن الأمر كذلك . فان قيل : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا إلى قوله : وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [ الحج : 17 ] عطف المشرك على اليهودي ، وذلك يقتضي المغايرة . قلنا : المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي ، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي ، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض . إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول : قال الشافعي رضي اللَّه عنه : المسلم لا يقتل بالذمي ، وقال أبو حنيفة : يقتل . حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه ، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ . فكان الذمي مباح الدم على الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله ، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي ، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله . المسألة الثانية : هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر . واعلم أن الاستدلال بها من وجوه : الوجه الأول : أن قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالإجماع لا يغفر على سبيل الوجوب ، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه ، فإذا كان قوله : إن اللَّه لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل ، وجب أن يكون قوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ هو أن يغفره على سبيل التفضل ، حتى يكون النفي والإثبات متواردين على معنى واحد . ألا ترى أنه لو قال : فلان لا يعطي أحدا تفضلا ، ويعطي زائدا فإنه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا ، حتى لو صرح وقال : لا يعطي أحدا شيئا على سبيل التفضل ويعطي أزيد على سبيل الوجوب ، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام ، فثبت أن قوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ على سبيل التفضل . إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة ، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا ، فلا يمكن حمل الآية عليه ، فإذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب . الثاني : أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين : الشرك وما سوى الشرك ، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة ، والكبيرة بعد التوبة والصغيرة ، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا ، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا ، لكن في حق من يشاء ، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك ، لكن في حق / من شاء . ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور ، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضا مغفورة . الثالث : أنه تعالى قال : لِمَنْ يَشاءُ فعلق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به ، وغير معلق على