فخر الدين الرازي

90

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فان قيل : قولنا : وجد ، لا يشعر بسبق الطلب ، بدليل قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى : 7 ، 8 ] وقوله : وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [ الأعراف : 102 ] وقوله : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً فان الطلب على اللَّه محال . قلنا : الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا ، إلا أنه لما أخرج محمدا صلى اللَّه عليه وسلم من بين قومه بما لم يكن لائقا لقومه صار ذلك كأنه طلبه ، ولما أمر المكلفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها صار كأنه طلب شيئا ثم لم يجده ، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من الوجه الذي ذكرناه . المسألة الثانية : أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم جاز له التيمم ، أما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه للوضوء ، فهل يجب عليه أن يجمع بين استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم ؟ قد أوجبه الشافعي رضي اللَّه عنه ، متمسكا بظاهر لفظ الآية . ثم قال تعالى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً وفي مسائل : المسألة الأولى : التيمم في اللغة عبارة عن القصد ، يقال : أممته وتيممته وتأممته ، أي قصدته وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد ، قال الزجاج : الصعيد وجه الأرض ، ترابا كان أو غيره . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : لو فرضنا صخرا لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافيا . وقال الشافعي رضي اللَّه عنه : بل لا بد من تراب يلتصق بيده . احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال : التيمم هو القصد ، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض ، فقوله : فَتَيَمَّمُوا / صَعِيداً طَيِّباً أي اقصدوا أرضا ، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا . وأما الشافعي فإنه احتج بوجهين الأول : أن هذه الآية هاهنا مطلقة ، ولكنها في سورة المائدة مقيدة ، وهي قوله سبحانه : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [ المائدة : 6 ] وكلمة « من » للتبعيض ، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه . فان قيل : إن كلمة « من » لابتداء الغاية ، قال صاحب « الكشاف » : لا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب : إلا معنى التبعيض ، ثم قال : والإذعان للحق أحق من المراء . الثاني : ما ذكره الواحدي رحمه اللَّه ، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيبا ، والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ الأعراف : 58 ] فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة ، فكان قوله : فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أمرا بالتيمم بالتراب فقط ، وظاهر الأمر للوجوب . أن قوله : صَعِيداً طَيِّباً أمر بإيقاع التيمم بالصعيد الطيب ، والصعيد الطيب هو الأرض التي لا سبخة فيها ، ولا شك أن التيمم بهذا التراب جائز بالإجماع ، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الاحتياط ، لا سيما وقد خصص النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة ، فقال : « جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا » و قال : « التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء » . المسألة الثالثة : قوله تعالى : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ محمول عند كثير من المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين ، وعند أكثر الفقهاء يجب مسح اليدين إلى المرفقين ، وحجتهم أن اسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى الإبطين ، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة الإجماع ، فبقي اللفظ متناولا للباقي . ثم ختم تعالى