فخر الدين الرازي

87

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها ، ومن ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري . والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال الصحو ، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه . إذا عرفت هذا فنقول : في لفظ السكارى في هذه الآية قولان : الأول : المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو ، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين . والقول الثاني : وهو قول الضحاك : وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر ، إنما المراد منه سكر النوم ، قال : ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين : الأول : ما ذكرنا : أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق ، ولا شك أن عند النوم تمتلئ مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن . الثاني : قول الفرزدق : من السير والإدلاج يحسب انما * سقاه الكرى في كل منزلة خمرا وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول : الدليل دل عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أن قوله تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون ، وتوجيه التكليف على مثل هذا الإنسان ممتنع بالعقل والنقل ، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الإنسان يقتضي تكليف ما لا يطاق ، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام : « رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى / يفيق وعن النائم حتى يستيقظ » ولا شك أن هذا السكران يكون مثل المجنون ، فوجب ارتفاع التكليف عنه . والحجة الثانية : قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا نعس أحدكم وهو في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه » هذا تقرير قول الضحاك . واعلم أن الصحيح هو القول الأول ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر ، والأصل في الكلام الحقيقة ، فأما حمله على السكر من العشق ، أو من الغضب أو من الخوف ، أو من النوم ، فكل ذلك مجاز ، وإنما يستعمل مقيدا . قال تعالى : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ [ ق : 19 ] وقال : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] الثاني : أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر ، وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين ، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مرادا بتلك الآية ، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهي حال كونه سكران ؟ فنقول : وهذا أيضا لا زم عليكم ، لأنه يقال : كيف يتناوله النهي وهو نائم لا يفهم شيئا ؟ ثم الجواب عنه : أن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم ، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة . وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن السكر المذكور في الآية هو النوم . المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المائدة ، وأقول : الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أنه يقال : نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية ، فهذا يقتضي جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما