فخر الدين الرازي
83
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
غير المتناهي محال ، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار ، مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب ، فيجعله عشرين جزءا ، أو ثلاثين جزءا ، أو أزيد . روي عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان ابن فلان ، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ، ثم يقال له : أعط هؤلاء حقوقهم ، فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول اللَّه لملائكته : انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فان بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها اللَّه تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته . مصداق ذلك في كتاب اللَّه تعالى : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وقال الحسن : قوله : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها هذا أحب إلى العلماء مما لو قال : في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة ، لأن ذلك الكلام يكون مقداره معلوما أما على هذه العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلا اللَّه تعالى ، وهو كقوله في ليلة القدر إنها خير من ألف شهر . وقال أبو عثمان النهدي : بلغني عن أبي هريرة أنه قال : إن اللَّه ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فقدر اللَّه أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا فألفيته فقلت : بلغني عنك أنك تقول : إن اللَّه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة : لم أقل ذلك ، ولكن قلت : إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف ، ثم تلا هذه الآية وقال : إذا قال اللَّه : أَجْراً عَظِيماً فمن يقدر قدره . النوع الثالث : من الأمور التي اشتملت هذه الآية عليها قوله تعالى : وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لدن : بمعنى « عند » إلا أن « لدن » أكثر تمكينا ، يقول الرجل : عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر ، ولا يقال : لدي مال ولا لدني ، إلا ما كان حاضرا . المسألة الثانية : اعلم أنه لا بد من الفرق بين هذا وبين قوله : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها والذي يحظر ببالي والعلم عند اللَّه ، أن ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك الثواب ، وأما هذا الأجر / العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب ، والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة ، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه ، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية ، وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة ، وإنما خص هذا النوع بقوله : مِنْ لَدُنْهُ لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال ، لا ينال بالأعمال الجسدانية ، بل إنما ينال بما يودع اللَّه في جوهر النفس القدسية من الإشراق والصفاء والنور ، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية ، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 41 إلى 42 ] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ( 42 ) وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم ، وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه ، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم اللَّه الحجة على الخلق ، لتكون الحجة على المسئ أبلغ ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد ، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم ، ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال اللَّه فيهم : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ووعدا للمطيعين الذين قال اللَّه فيهم : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [ النساء : 40 ] [ في قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ] وفيه مسائل :