فخر الدين الرازي
79
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والقول الثالث : أنه عام في البخل بالعلم والدين ، وفي البخل بالمال ، لأن اللفظ عام ، والكل مذموم ، فوجب كون اللفظ متناولا للكل . المسألة الخامسة : أنه تعالى ذكر في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثا : أولها : كون الإنسان بخيلا وهو المراد بقوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وثانيها : كونهم آمرين لغيرهم بالخبل ، وهذا هو النهاية في حب البخل ، وهو المراد بقوله : وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وثالثها : قوله : وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فيوهمون الفقر مع الغنى ، والإعسار مع اليسار ، والعجز مع الإمكان ، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر ، مثل أن يظهر الشكاية عن اللَّه تعالى ، ولا يرضى بالقضاء والقدر ، وهذا ينتهي إلى حد الكفر ، فلذلك قال : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ومن قال : الآية مخصوصة باليهود ، فكلامه في هذا الموضع ظاهر ، لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر ، ويمكن أيضا أن يكون المراد من هذا الكافر ، من يكون كافرا بالنعمة ، لا من يكون كافرا بالدين والشرع . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 38 ] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ( 38 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : إن شئت عطفت الَّذِينَ في هذه الآية على الَّذِينَ في الآية التي قبلها ، وإن شئت جعلته في موضع خفض عطفا على قوله : لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ النساء : 37 ] المسألة الثانية : قال الواحدي : نزلت في المنافقين ، وهو الوجه لذكر الرئاء ، وهو ضرب من النفاق . وقيل : نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، والأولى أن يقال : إنه تعالى لما أمر بالإحسان إلى أرباب الحاجات ، بين أن من لا يفعل ذلك قسمان : فالأول : هو البخيل الذي لا يقدم على إنفاق المال البتة ، وهم المذمومون في قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ / النَّاسَ بِالْبُخْلِ [ النساء : 37 ] والثاني : الذين ينفقون أموالهم ، لكن لا لغرض الطاعة ، بل لغرض الرياء والسمعة ، فهذه الفرقة أيضا مذمومة ، ومتى بطل القول بهذين القسمين لم يبق إلا القسم الأول . وهو إنفاق الأموال لغرض الإحسان . ثم قال تعالى : وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً . والمعنى : أن الشيطان قرين لأصحاب هذه الأفعال كقوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف : 36 ] وبين تعالى أنه بئس القرين ، إذ كان يضله عن دار النعيم ويورده نار السعير وهو كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [ الحج : 3 ، 4 ] . ثم إنه تعالى عيرهم وبين سوء اختيارهم في ترك الإيمان . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 39 ] وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً ( 39 ) وفيه مسائل :