فخر الدين الرازي
59
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إنه خاص في قتل النفس المحرمة ، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . الثاني : قال الزجاج : إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة . والثالث : قال ابن عباس : إنه عائد إلى كل ما نهى اللَّه عنه من أول السورة إلى هذا الموضع . المسألة الثانية : إنما قال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً لأن في جملة ما تقدم قتل البعض للبعض ، وقد يكون ذلك حقا كالقود ، وفي جملة ما تقدم أخذ المال ، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها ، فلهذا السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة . قالوا : / وقوله : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وان كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال : بتخليدهم ، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ، لأنه لا قائل بالفرق . والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع ، إلا أن الذي نقوله هاهنا : ان هذا مختص بالكفار ، لأنه قال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا للتكرير ، فيحمل الظلم على ما إذا كان قصده التعدي على تكاليف اللَّه ، ولا شك أن من كان كذلك كان كافرا لا يقال : أليس أنه وصفهم بالإيمان فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فكيف يمكن أن يقال : المراد بهم الكفار ؟ لأنا نقول : مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا البتة ، فلا بد على هذا المذهب أن تقولوا : أنهم كانوا مؤمنين ، ثم لما أتوا بهذه الأفعال ما بقوا على وصف الايمان ، فإذا كان لا بد لكم من القول بهذا الكلام . فلم لا يصح هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه ؟ واللَّه أعلم . ثم أنه تعالى ختم الآية فقال : وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة اللَّه على السوية ، وحينئذ يمتنع أن يقال : ان بعض الأفعال أيسر عليه من بعض ، بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] أو يكون معناه المبالغة في التهديد ، وهو أن أحدا لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 31 ] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ( 31 ) [ في قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ] اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : من الناس من قال : جميع الذنوب والمعاصي كبائر . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : كل شيء عصى اللَّه فيه فهو كبيرة ، فمن عمل شيئا منها فليستغفر اللَّه ، فان اللَّه تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الإسلام ، أو جاحدا فريضة ، أو مكذبا بقدر . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه : الحجة الأولى : هذه الآية ، فان الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر . الحجة الثانية : قوله تعالى : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [ القمر : 53 ] وقوله : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] . الحجة الثالثة : أن الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر ، كقوله : « الكبائر :