فخر الدين الرازي
55
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قالوا : إنكم تحلون بنت الخالة والعمة ، والخالة والعمة عليكم حرام ، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت ، فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : قوله : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ يدل على أنه تعالى يريد التوبة من الكل ، والطاعة من الكل . قال أصحابنا : هذا محالا لأنه تعالى علم من الفاسق أنه لا يتوب وعلمه بأنه لا يتوب مع توبته ضدان ، وذلك العلم ممتنع الزوال ، ومع وجوب أحد الضدين كانت إرادة الضد الآخر إرادة لما علم كونه محالا ، وذلك محال ، وأيضا إذا كان هو تعالى يريد التوبة من الكل ويريد الشيطان أن تميلوا ميلا عظيما ، ثم يحصل مراد الشيطان لا مراد الرحمن ، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من نفاذ الرحمن في ملك نفسه وذلك محال ، فثبت أن قوله : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ خطاب مع قوم معينين حصلت هذه التوبة لهم . ثم قال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 28 ] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ( 28 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في التخفيف قولان : الأول : المراد منه إباحة نكاح الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل ، والباقون قالوا : هذا عام في كل أحكام الشرع ، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا ، إحسانا منه إلينا ، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل ، ونظيره قوله تعالى : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 157 ] وقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] وقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : « جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة » . المسألة الثانية : قال القاضي : هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق للَّه تعالى ، إذ لو كان كذلك فالكافر يخلق فيه الكفر ، ثم يقول له : لا تكفر ، فهذا أعظم وجوه التثقيل ، ولا يخلق فيه الايمان ، ولا قدرة للعبد على خلق الايمان . ثم يقول له : آمن ، وهذا أعظم وجوه التثقيل . قال : ويدل أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ، لأنه أعظم وجوه التثقيل . والجواب : أنه معارض بالعلم والداعي ، وأكثر ما ذكرناه . ثم قال : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً والمعنى أنه تعالى لضعف الإنسان خفف تكليفه ولم يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة ، بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة ، فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه . وإنما قلنا : ان هذا الوجه أولى ، لأن الضعف في الخلقة والقوة لو قوى اللَّه داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف ، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها ، لا لضعف البدن وقوته ، هذا كله كلام القاضي ، وهو كلام حسن ، ولكنه يهدم أصله ، وذلك لما سلم أن المؤثر في وجود الفعل وعدمه ، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة الداعية وضعفها لا بد له من سبب ، فإن كان ذلك لداعية أخرى من العبد لزم التسلسل ، وإن كان الكل من اللَّه ، فذاك هو الحق الذي لا محيد عنه ، وبطل القول بالاعتزال بالكلية واللَّه أعلم .