فخر الدين الرازي

50

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اللَّه لا ينظر ولا يلتفت إليه . روي عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ثلاث من أمر الجاهلية : الطعن في الأنساب ، والفخر بالأحساب ، والاستسقاء بالأنواء ، ولا يدعها الناس في الإسلام » وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين ، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم عن أخلاق أهل الجاهلية . ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل ، ويدل عليه القرآن والقياس . أما القرآن فهو هذه الآية فإن قوله تعالى : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح ، وإن لم يكن النكاح واجبا . وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : « من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » فالسلم ليس بواجب ، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط ، كذلك النكاح وإن لم يكن واجبا ، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمة ، وجب أن لا يتزوجها إلا بإذن سيدها . وأما القياس : فهو أن الأمة ملك للسيد ، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها ، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا بإذنه . واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة ، وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث عن جابر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر » . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي اللَّه عنه : المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا بإذن الولي . وقال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : يصح ، احتج الشافعي بهذه الآية ، وتقريره أن الضمير في قوله : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ عائد إلى الإماء ، والأمة ذات موصوفة بصفة الرق ، وصفة الرق صفة زائلة ، والإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الإشارة إلى تلك الصفة ، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه يحنث في يمينه ، فثبت أن الإشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة ، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ إشارة إلى الإماء ، فهذه الإشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن ، وحصول صفة الحرية لهن ، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها ، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور ؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق . احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي / في هذه المسألة فقال : مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح ، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها ، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزوج أمتها . قال : وهذه الآية تبطل ذلك ، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها ، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية . والجواب من وجوه : الأول : أن المراد بالإذن الرضا . وعندنا أن رضا المولى لا بد منه ، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه ، وثانيها : أن أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن ، وذلك إما المولى أن كان رجلا ، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة . وثالثها : هب أن الأهل عبارة عن المولى ، لكنه عام يتناول الذكور والإناث ، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام : « العاهر هي التي تنكح نفسها » فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها ، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق واللَّه أعلم .