فخر الدين الرازي

44

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وأنا أنهي عنهما : متعة الحج ، ومتعة النكاح ، وهذا منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة في عهد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وقوله : وأنا أنهي عنهما يدل على أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ما نسخه ، وإنما عمر هو الذي نسخه . وإذا ثبت هذا فنقول : هذا الكلام يدل على أن حل المتعة كان ثابتا في عهد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وأنه عليه السلام ما نسخه ، وأنه ليس ناسخ الا نسخ عمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخا لأن ما كان ثابتا في زمن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وما نسخه الرسول ، يمتنع أن يصير منسوخا بنسخ عمر ، وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال : ان اللَّه أنزل في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى ، وأمرنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه ما شاء ، يريد أن عمر نهى عنها ، فهذا جملة وجوه القائلين بجواز المتعة . والجواب عن الوجه الأول أن نقول : هذه الآية مشتملة على أن المراد منها نكاح المتعة وبيانه من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى ذكر المحرمات بالنكاح أولا في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ثم قال في آخر الآية : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ فكان المراد بهذا التحليل ما هو المراد هناك بهذا التحريم ، لكن المراد هناك بالتحريم هو النكاح ، فالمراد بالتحليل هاهنا أيضا يجب أن يكون هو النكاح . الثاني : أنه قال : مُحْصِنِينَ والإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح . والثالث : قوله : غَيْرَ مُسافِحِينَ سمي الزنا سفاحا لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء ، ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النكاح ، والمتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكان سفاحا ، هذا ما قاله أبو بكر الرازي . أما الذي ذكره في الوجه الأول : فكأنه تعالى ذكر أصناف من يحرم على الإنسان وطؤهن ، ثم قال : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي وأحل لكم وطء ما وراء هذه الأصناف ، فأي فساد في هذا الكلام ؟ وأما قوله ثانيا : الإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح فلم يذكر عليه دليلا ، وأما قوله ثالثا : الزنا إنما سمي سفاحا ، لأنه لا يراد منه إلا سفح الماء ، والمتعة ليست كذلك ، فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل اللَّه ، فان قلتم : المتعة محرمة ، فنقول : هذا أول البحث ، فلم قلتم : إن الأمر كذلك ، فظهر أن الكلام رخو ، والذي يجب أن يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول : إنا لا ننكر أن المتعة كانت مباحة ، إنما الذي نقوله : إنها صارت منسوخة ، وعلى هذا التقدير فلو كانت هذه الآية دالة على أنها مشروعة لم يكن ذلك قادحا في غرضنا ، وهذا هو الجواب أيضا عن تمسكهم بقراءة أبي وابن عباس ، فان تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة ، ونحن لا ننازع فيه ، إنما الذي نقوله : إن النسخ طرأ عليه ، وما ذكرتم من الدلائل / لا يدفع قولنا ، وقولهم : الناسخ إما أن يكون متواترا أو آحادا . قلنا : لعل بعضهم سمعه ثم نسيه ، ثم إن عمر رضي اللَّه عنه لما ذكر ذلك في الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه فسلموا الأمر له . قوله : إن عمر أضاف النهي عن المتعة إلى نفسه . قلنا : قد بينا أنه لو كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع محمد صلى اللَّه عليه وسلم وأنا أنهي عنه لزم تكفيره وتكفير كل من لم يحاربه وينازعه ، ويفضي ذلك إلى تكفير أمير المؤمنين حيث لم يحاربه ولم يرد ذلك القول عليه ، وكل ذلك باطل ، فلم يبق إلا أن يقال : كان مراده أن المتعة كانت مباحة في زمن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وأنا أنهي عنها لما ثبت عندي أنه صلى اللَّه عليه وسلم نسخها ، وعلى هذا التقدير يصير هذا الكلام حجة لنا في مطلوبنا واللَّه أعلم . ثم قال تعالى : فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ومهورهن فريضة لازمة وواجبة ،