فخر الدين الرازي

39

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قلنا : التقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم لا رادة أن تبتغوهن ، أي تبتغوا ما وراء ذلكم ، فحذف ذكره لدلالة ما قبله عليه واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : لا مهر أقل من عشرة دراهم ، وقال الشافعي رضي اللَّه عنه : يجوز بالقليل والكثير ولا تقدير فيه . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد ، وهو الابتغاء بأموالهم ، والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالا ، فوجب أن لا يصح جعلها مهرا . فان قيل : ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال ، مع أنكم تجوزون كونها مهرا . قلنا : ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية ، إلا أنا تركنا العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الإجماع على جوازه ، فتمسك في الأقل من العشرة بظاهر الآية . واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال جائز ، وليس فيها دلالة على أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز ، إلا على سبيل المفهوم ، وأنتم لا تقولون به . ثم نقول : الذي يدل على أنه لا تقدير في المهر وجوه : الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : بِأَمْوالِكُمْ مقابلة الجمع بالجمع ، فيقتضي توزع الفرد على الفرد ، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا ، والقليل والكثير في هذه الحقيقة وفي هذا الاسم سواء ، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شيء يسمى مالا من غير تقدير . الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [ البقرة : 237 ] دلت الآية على سقوط النصف عن المذكور ، وهذا يقتضي أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم أن لا يجب عليه إلا نصف درهم ، وأنتم لا تقولون به . الحجة الثالثة : الأحاديث : منها ما روي أن امرأة جيء بها إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقد تزوج بها رجل على نعلين ، فقال عليه الصلاة والسلام : « رضيت من نفسك بنعلين » فقالت : نعم فأجازه النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، والظاهر أن قيمة النعلين تكون أقل من عشرة دراهم ، فان مثل هذا الرجل والمرأة اللذين لا يكون تزوجهما إلا على النعلين يكونان في غاية الفقر ، ونعل هذا الإنسان يكون قليل القيمة جدا . ومنها ما روي عن جابر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعام فقد استحل » ومنها ما روي في قصة الواهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال لمن أراد التزوج بها : « التمس ولو خاتما من حديد » وذلك لا يساوي عشرة دراهم . المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : لو تزوج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهرا ولها مهر مثلها ، ثم قال : إذا تزوج امرأة على خدمته سنة ، فإن كان حرا لها مهر مثلها ، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة . وقال الشافعي رحمة اللَّه عليه : يجوز جعل ذلك مهرا ، احتج أبو حنيفة على قوله بوجوه : الأول : هذه الآية وذلك أنه تعالى شرط في حصول الحل أن يكون الابتغاء بالمال ، والمال اسم للأعيان لا للمنافع ، الثاني : قال تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 4 ] وذلك صفة الأعيان . أجاب الشافعي عن الأول بأن الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز ، وليس فيه بيان أن الابتغاء بغير المال جائز أم لا ، وعن الثاني : أن لفظ الإيتاء كما يتناول الأعيان يتناول المنافع الملتزمة ، وعن الثالث : أنه خرج