فخر الدين الرازي
30
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يقولون : حليلة الرجل زوجته لأنا نقول : إنا قد بينا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية ، فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه . فكيف وهو شهادة على النفي ؟ فانا لا ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة ، ولكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة والجارية ، فقول من يقول : إنه ليس كذلك شهادة على النفي ولا يلتفت إليه . المسألة الثانية : قوله : الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ احترازا عن المتبني ، وكان المتبني في صدر الإسلام بمنزلة الابن ، ولا يحرم على الإنسان حليلة من ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه ، نكح الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم زينب بنت جحش الأسدية وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب ، وكانت زينب ابنة عمة النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة ، فقال المشركون : إنه تزوج امرأة ابنه فأنزل اللَّه تعالى : وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [ الأحزاب : 4 ] وقال : لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [ الأحزاب : 37 ] . المسألة الثالثة : ظاهر قوله : وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لا يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة ، فلما قال في آخر الآية : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع ، إلا أنه عليه السلام قال : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » فاقتضى هذا تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ يتناول الرضاع وغير الرضاع ، فكان قوله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » أخص منه ، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد ، وذلك لأن عموم الآية يتناول حليلة الابن ، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن . أما ما روي ابن عباس سئل عن قوله : وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها . أو غير مخصوص بذلك ، فقال ابن عباس : أبهموا ما أبهمه اللَّه ، فليس مراده من هذا الإبهام كونها مجملة مشتبهة ، بل المراد من هذا الإبهام التأييد . ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من جهة النسب : انها من المبهمات ، أي من اللواتي ثبت حرمتهن على سبيل التأبيد ، فكذا هاهنا واللَّه أعلم . المسألة الخامسة : اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجد ، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب الجد ، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة . النوع الثالث عشر : من المحرمات . قوله تعالى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ في محل الرفع ، لأن التقدير : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والجمع بين الأختين . المسألة الثانية : الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه : إما أن ينكحهما معا ، أو يملكهما معا ، أو ينكح إحداهما ويملك الأخرى ، أما الجمع بين الأختين في النكاح . فذلك يقع على وجهين : أحدهما : أن يعقد عليهما جميعا ، فالحكم هاهنا : إما الجمع ، أو التعيين ، أو التخيير ، أو الابطال ، أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا ، إلا أنه مشكل على أصل أبي حنيفة رضي اللَّه عنه ، لأن / الحرمة لا تقتضي الابطال على قول