فخر الدين الرازي
184
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فيها وغضب اللَّه عليه ، لأن القتل العمد لما لم يكن له تأثير في هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا الوعيد ، ومعلوم ان ذلك باطل ، وان كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا فحينئذ يلزم أن يقال : أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد ، وحينئذ يسقط هذا السؤال ، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء . وأما الوجه الثاني : من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر ، فإذا جوز على اللَّه الخلف فيه فقد جوز الكذب على اللَّه ، وهذا خطأ عظيم ، بل يقرب من أن يكون كفرا ، فان العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب ، ولأنه إذا جوز الكذب على اللَّه في الوعيد لأجل ما قال : إن الخلف في الوعيد كرم ، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة ، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء . وحكى القفال في تفسيره وجها آخر ، هو الجواب وقال : الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر ، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا ، وقد يقول الرجل لعبده : جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا ، إلا أني لا أفعله ، وهذا الجواب أيضا ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر ، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين . قال تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] وقال : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ غافر : 17 ] وقال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل إليهم هذا الجزاء وهو قوله : وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً فان بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله : فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها فلو كان قوله : وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا ، فلو حملناه على الاخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار ، فكان ذلك أولى . واعلم أنا نقول : هذه الآية مخصوصة في موضعين : أحدهما : أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص فإنه لا يحصل فيه هذا الوعيد البتة . والثاني : القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فإنه لا يحصل فيه الوعيد ، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] وأيضا فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد ، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد ، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات الوعد راجحة ، وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 81 ] المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة ، وقال جمهور العلماء : إنها مقبولة ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أن الكفر أعظم من هذا القتل فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول . الحجة الثانية : قوله تعالى في آخر الفرقان : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً * إِلَّا