فخر الدين الرازي
178
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
هاهنا مطمع إلا في قياس الشبه ، ونرى أن الدية وجبت بسبب أقوى من السبب الموجب للزكاة ، ثم إنا رأينا أن الشرع لم يجعل لبني مخاض دخلا في باب الزكاة ، فوجب أن لا يكون لها دخل في باب الدية أيضا . وحجة أبي حنيفة أن البراءة كانت ثابتة ، والأصل في الثابت البقاء ، فكانت البراءة الأصلية باقية ، ولا يعدل عن هذا الدليل إلا لدليل أقوى منه فنقول : الأول هو المتفق عليه فاعترفنا بوجوبه : وأما الزائد عليه فوجب أن يبقى على النفي الأصلي . والجواب : أن الذمة مشغولة بوجوب الدية ، والأصل في الثابت البقاء ، وقد رأينا حصول الاتفاق على السقوط بأداء أكثر ما قيل فيه ، فوجب أن لا يحصل ذلك السقوط عند أداء أقل ما فيه ، واللَّه أعلم . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه اللَّه : إذا لم توجد الإبل ، فالواجب إما ألف دينار ، أو اثنا عشر ألف درهم . وقال أبو حنيفة : بل الواجب عشرة آلاف درهم . حجة الشافعي : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . قال : كانت قيمة الدية في عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم / ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ، فلما استخلف عمر رضي اللَّه عنه قام خطيبا وقال : إن الإبل قد غلت أثمانها ، ثم إن عمر فرضها على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق أثنى عشر ألفا ، وجه الاستدلال أن عمر ذكر ذلك في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد فكان إجماعا . حجة أبي حنيفة : أن الأخذ بالأقل أولى ، وقد سبق جوابه . المسألة السابعة : قال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج : الدية واجبة على القاتل ، قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا شك أنه إيجاب لهذا التحرير ، والإيجاب لا بد فيه من شخص يجب عليه ذلك الفعل ، والمذكور قبل هذه الآية هو القاتل ، وهو قوله : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فهذا الترتيب يوجب القطع بأن هذا التحرير إنما أوجبه اللَّه تعالى عليه لا على غيره ، والثاني : أن هذه الجناية صدرت منه ، والمعقول هو أن الضمان لا يجب إلا على المتلف ، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على سبيل الخطأ . ولكن الفعل الخطأ قائم في قيم المتلفات وأروش الجنايات ، مع أن تلك الضمانات لا تجب إلى علي المتلف ، فكذا هاهنا . الثالث : أنه تعالى أوجب في هذه الآية شيئين : تحرير الرقبة المؤمنة ، وتسليم الدية الكاملة ، ثم انعقد الإجماع على أن التحرير واجب على الجاني ، فكذا الدية يجب أن تكون واجبة على القاتل ، ضرورة أن اللفظ واحد في الموضعين . الرابع : أن العاقلة لم يصدر عنهم جناية ولا ما يشبه الجناية ، فوجب أن لا يلزمهم شيء للقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * [ الأنعام : 164 ] وقال تعالى : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [ الأنعام : 164 ] وقال : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] وأما الخبر فما روي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومعه ابنه فقال عليه الصلاة والسلام : من هذا فقال ابني ، قال إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ، ومعلوم أنه ليس المقصود منه الاخبار عن نفس الجناية إنما المقصود بيان أن أثر جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس ، وكل ذلك يدل على أن إيجاب الدية على الجاني أولى من إيجابها على الغير . الخامس : أن النصوص تدل على أن مال الإنسان معصوم وأنه لا سبيل لأحد أن يأخذه منه . قال تعالى : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [ النساء : 29 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « كل امرئ أحق بكسبه » و قال : « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » و قال : « لا يحل مال المسلم إلا بطيبة من نفسه » تركنا العمل بهذه العمومات في الأشياء التي عرفنا بنص القرآن كونها موجبة لجواز الأخذ كما قلنا في