فخر الدين الرازي
150
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
للَّه . قال مقاتل في هذه الآية : ان النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان يقول : « من أحبني فقد أحب اللَّه ومن أطاعني فقد أطاع اللَّه » ، فقال المنافقون : لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو ان ينهى أن نعبد غير اللَّه ، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ، فأنزل اللَّه هذه الآية . واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة البتة للرسول ، وإنما الطاعة للَّه . أما قوله : وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ففيه قولان : أحدهما : أن المراد من التولي هو التولي بالقلب ، يعني يا محمد حكمك على الظواهر ، أما البواطن فلا تتعرض لها . والثاني : أن المراد به التولي بالظاهر ، ثم هاهنا ففي قوله : فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً قولان : الأول : معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن ، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي ، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم ، فاللَّه تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة والسلام عن ذلك الحزن . الثاني : أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي وهو كقوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [ البقرة : 256 ] ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 81 ] وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 81 ) أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء طاعَةٌ بالرفع ، أي أمرنا وشأننا طاعة ، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة ، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد : سمعا وطاعة ، وسمع وطاعة . قال سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت ؟ فيقول : حمدا للَّه وثناء عليه ، كأنه قال : أمرى وشأني حمدا للَّه . واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل . وأما الرفع فإنه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ أي خرجوا من عندك بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : كل أمر تفكروا فيه كثيرا وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيرا قيل هذا أمر مبيت ، قال تعالى : إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [ النساء : 108 ] وفي اشتقاقه وجهان : الأول : اشتقاقه من البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل ، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل ، فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت ، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل ، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا . الثاني : اشتقاقه من بيت الشعر قال الأخفش : العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا ، تشبيها له ببيت الشعر من حيث إنه يسوى ويدبر . المسألة الثانية : أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت ، وفي هذا التخصيص وجهان : أحدهما : أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه ، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم . والثاني : أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت ، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا ، فلا جرم لم يذكروا . المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو وحمزة بَيَّتَ طائِفَةٌ بإدغام التاء في الطاء ، والباقون بالإظهار أما من أدغم