فخر الدين الرازي

135

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ترقيب من الصديقية وصلت إلى النبوة ، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية ، ولا متوسط بينهما ، وقال في آية أخرى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [ الزمر : 33 ] فلم يجعل بينهما واسطة ، وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق اللَّه هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الامام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل الإجماع ، ولما توفي رضوان اللَّه عليه دفنوه إلى جنب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وما ذاك إلا أن اللَّه تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية ، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها . الصفة الثانية : الشهادة : والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب ، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول : لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين ، وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيارة شرف ، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند اللَّه . الثاني : أن المؤمنين قد يقولون : اللهم ارزقنا الشهادة ، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من اللَّه ذلك القتل وانه غير جائز ، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر ، فكيف يجوز أن يطلب من اللَّه ما هو كفر ، الثالث : روي أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال : المبطون شهيد والغريق شهيد ، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل ، بل نقول : الشهيد فعيل بمعنى الفاعل ، وهو الذي يشهد بصحة دين اللَّه تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، فالشهداء هم القائمون بالقسط ، وهم الذين ذكرهم اللَّه في قوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [ آل عمران : 18 ] ويقال للمقتول في سبيل اللَّه شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين اللَّه ، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل ، وإذا كان من شهداء اللَّه بهذا المعنى كان من شهداء اللَّه في نصرة دين اللَّه ، الآخرة ، كما قال : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] . الصفة الثالثة : الصالحون : والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله ، فان الجهل فساد في الاعتقاد ، والمعصية فساد في العمل ، وإذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت ، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح ، ثم إن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين اللَّه بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل ، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف ، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة ، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا ، وليس كل من كان صالحا شهيدا ، فالشهيد أشرف أنواع الصالح ، ثم إن الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون : ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره ، وكان إيمانه وقدوة لغيره ، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا ، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام ، وبعدهم الصديقون ، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة ، وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح . فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن اللَّه ، والأنبياء يأخذون عن الملائكة ، كما قال : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ النحل : 2 ] والصديقون يأخذونه عن الأنبياء . والشهداء يأخذونه عن الصديقين ، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن / الأنبياء وصار قدوة لمن بعده ، والصالحون يأخذونه عن الشهداء ، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل