فخر الدين الرازي
131
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ذلك فإنه تعالى كلفهم ، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت . ثم قال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً . اعلم أن المراد من قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به ، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا ، لأن تكاليف اللَّه تعالى مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظا ، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع . فالنوع الأول : قوله : لَكانَ خَيْراً لَهُمْ فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة ، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح ، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره ، لأن قولنا : « خير » يستعمل على الوجهين جميعا . النوع الثاني : قوله : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وفيه وجوه : الأول : أن المراد أن هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم ، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها ، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه . الثاني : أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق ، والباطل زائل . الثالث : أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير ، فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا ، فقوله : لَكانَ خَيْراً لَهُمْ إشارة إلى الحالة الأولى ، وقوله : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً إشارة إلى الحالة الثانية . النوع الثالث : قوله تعالى : وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً . واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الإخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء ، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم . قال صاحب « الكشاف » : و « إذا » جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت . فقيل : هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما ، كقوله : وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 40 ] . وأقول : إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة ، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر . أحدها : أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله : لَآتَيْناهُمْ وقوله : مِنْ لَدُنَّا والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية ، وثانيها : قوله : مِنْ لَدُنَّا وهذا التخصيص يدل على المبالغة ، كما في قوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] وثالثها : أن اللَّه تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم ، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة ، وكيف لا يكون عظيما ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . النوع الرابع : قوله : وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً وفيه قولان : أحدهما : أن الصراط المستقيم هو الدين الحق ، ونظيره قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ [ الشورى : 52 ، 53 ] والثاني : انه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة ، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر ، والدين الحق مقدم