فخر الدين الرازي
129
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الإيجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم ، فهذا يدل على أن قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] وأن فتواه في أسارى بدر ، وأن قوله : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [ التحريم : 1 ] وأن قوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب . المسألة السادسة : من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وهو ضعيف لأن القضاء هو الإلزام ، ولا نزاع في أنه للوجوب . المسألة السابعة : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق ، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره ، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف ، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس ، وقوله : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس ، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ، ويسلم النص تسليما كليا ، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف . المسألة الثامنة : قالت المعتزلة : لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء اللَّه تعالى لزوم التناقض ، / وذلك لأن الرسول إذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول . والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية ، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول ، فلو كانت المعاصي بقضاء اللَّه لكان ذلك الفعل بقضاء اللَّه ، والرضا بقضاء اللَّه واجب ، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل . لأنه قضاء اللَّه ، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا ، وذلك محال . والجواب : أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة ، والمراد من قضاء اللَّه التكوين والإيجاد ، وهما مفهومان متغايران ، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 66 إلى 68 ] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 ) اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق ، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون ، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالإخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين ، [ في قوله تعالى وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي : أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ بضم النون في « أن » وضم واو « أو »