فخر الدين الرازي
123
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أتوا بجناية خافوا بسببها منك ، ثم جاؤوك شاءوا أم أبوا ويحلفون باللَّه على سبيل الكذب : انا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة ، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له ، سواء غابوا أم حضروا ، وسواء بعدوا أم قربوا ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى بقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال : هذا شيء لا يعلمه إلا اللَّه ، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا اللَّه تعالى ، ثم لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه انه كيف يعاملهم فقال : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار ، ومن طالع كتب التفسير علم أن المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه واللَّه أعلم . المسألة الثانية : ذكروا في تفسير قوله : أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ وجوها : الأول : أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام ، فهم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة ، وهذا اختيار الزجاج . الثاني : قال أبو علي الجبائي : المراد من هذه المصيبة ما أمر اللَّه تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ، وانه يخصهم بمزيد الإذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ / ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [ الأحزاب : 60 - 61 ] وقوله : فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً [ التوبة : 83 ] وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم ، فكانت معدودة في مصائبهم ، وانما يصيبهم ذلك لأجل ، نفاقهم ، وعني بقوله : ثُمَّ جاؤُكَ أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا الصلاح ، وكانوا في ذلك كاذبين لا نهم أضمروا خلاف ما أظهروه ، ولم يريدوا بذلك الإحسان الذي هو الصلاح . الثالث : قال أبو مسلم الاصفهاني : انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول ، بشر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه ، وإلى أن يظهروا له الايمان به وإلى أن يحلفوا بأن مرادهم الإحسان والتوفيق . قال : ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا : كيف أنت إذا كان كذا وكذا ، ومثاله قوله تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [ النساء : 41 ] وقوله : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [ آل عمران : 25 ] ثم أمره تعالى إذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم . المسألة الثالثة : في تفسير الإحسان والتوفيق وجوه : الأول : معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى اللَّه عليه وسلم الا الإحسان إلى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا ، وانما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم ، ولما قدروا على التمرد من حكمه ، فاذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم . الثاني : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول . الثالث : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول اللَّه الا أنك لا تحكم الا بالحق المر ، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر ، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة .