فخر الدين الرازي
115
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اللَّهِ وَالرَّسُولِ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة . فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له ، وذلك هو القياس ، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فوضوا علمه إلى اللَّه واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له ؟ وأيضا فلم لا يجوز ان يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص ؟ وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام / إلى البراءة الأصلية ؟ قلنا : أما الأول فمدفوع ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين ، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه ، ومنها ما لا يكون كذلك ، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد ، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى اللَّه وإلى الرسول ، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت ، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك ، بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات ، وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى اللَّه على السكوت عن تلك الواقعة ، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث . وأما السؤال الثاني : فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل ، فلا يكون رد الواقعة إليها ردا إلى اللَّه بوجه من الوجوه ، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام اللَّه تعالى ، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى . المسألة الخامسة : هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا ، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس ، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس البتة ، سواء كان القياس جليا أو خفيا ، سواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا ، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أمر بطاعة الكتاب والسنة ، وهذا الأمر مطلق ، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة ، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى : أحدها : أن كلمة « ان » على قول كثير من الناس للاشتراط ، وعلى هذا المذهب كان قوله : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول . الثاني : أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة ، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة . الثالث : أنه صلى اللَّه عليه وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب ، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله : « فإن لم تجد » الرابع : أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ * [ البقرة : 34 ] ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية ، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * [ الأعراف : 12 ] ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا ، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز . الخامس : أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر ، والقياس ليس كذلك ، بل هو مظنون من جميع الجهات ، والمقطوع راجح على المظنون . السادس : قوله تعالى / وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ المائدة : 45 ] وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم . السابع : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ الحجرات : 1 ] فإذا كان عموم القرآن حاضر ، ثم قدمنا القياس المخصص عليه لزم التقديم بين يدي اللَّه ورسوله . الثامن : قوله تعالى : سَيَقُولُ الَّذِينَ