فخر الدين الرازي
112
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الغفلة والسهو والتفاوت في ابصار المبصرات وسماع المسموعات ، ولكن لو فرضنا أن هذا التفاوت كان ممكنا لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت حكم الولاة والقضاة ، فلما كان هذا الموضع مخصوصا بمزيد العناية لا جرم قال في خاتمة هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً فما أحسن هذه المقاطع الموافقة لهذه المطالع . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) [ في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ] اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه : حق على الامام أن يحكم بما أنزل اللَّه ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة : الطاعة موافقة الإرادة ، وقال أصحابنا : الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الإرادة . لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة ، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مرادا أم لا ؟ فإذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مرادا ثبت حينئذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الإرادة ، وإنما قلنا إن اللَّه قد يأمر بما لا يريد لأن علم اللَّه وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب البتة ، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا ، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر ، والجمع بين الضدين محال ، فكان صدور الايمان من أبي لهب محالا . واللَّه تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا ، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريدا له ، فثبت أنه تعالى غير مريد للايمان من أبي لهب وقد أمره بالإيمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة اللَّه عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته ، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الإرادة بقول الشاعر : رب من أنضجت غيظا صدره * قد تمنى لي موتا لم يطع رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الإرادة . والجواب : أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة . المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه ، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب . أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ . فان قيل : أليس أن طاعة الرسول هي طاعة اللَّه ، فما معنى هذا العطف ؟ قلنا : قال القاضي : الفائدة في ذلك بيان الدلالتين ، فالكتاب يدل على أمر اللَّه ، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة ، والسنة تدل على أمر الرسول ، ثم نعلم منه أمر اللَّه لا محالة ، فثبت بما ذكرناه أن قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة . المسألة الثالثة : اعلم أن قوله : وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة ، والدليل