فخر الدين الرازي
103
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل . الثالث : أن « أم » هاهنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها البتة ، كأنه لما تم الكلام الأول قال : بل لهم نصيب من الملك ، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الإنكار ، يعني ليس لهم شيء من الملك البتة ، وهذا الوجه أصح الوجوه . المسألة الثانية : ذكروا في هذا الملك وجوها : الأول : اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب ؟ فأبطل اللَّه عليهم قولهم في هذه الآية . الثاني : أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم ، فكذبهم اللَّه في هذه الآية . الثالث : المراد بالملك هاهنا التمليك ، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم ، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير ، فكيف يقدرون على النفي والإثبات . قال أبو بكر الأصم : كانوا أصحاب بساتين وأموال ، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل ، فنزلت هذه الآية . المسألة الثالثة : أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم ، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان ، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر مكروه لذاته ، والإنسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمرا مطلوبا مرغوبا فيه ، وجهات الحاجات / محيطة بالناس ، فإذا صدر من إنسان احسان إلى غيره صارت رغبة المحسن اليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له ، فلهذا قيل : بالبر يستعبد الحر ، فإذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض ، فلا يحصل الانقياد البتة ، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم إن الملك على ثلاثة أقسام : ملك على الظواهر فقط ، وهذا هو ملك الملوك ، وملك على البواطن فقط ، وهذا هو ملك العلماء ، وملك على الظواهر والبواطن معا ، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات اللَّه عليهم . فإذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة ، ليصير كل واحد من هذه الأخلاق سببا لانقياد الخلق لهم ، وامتثالهم لأوامرهم . وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام . المسألة الرابعة : قال سيبويه : « إذن » في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء ، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير ، كقولك أظن زيدا قائما ، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله ، كقوله : زيد أظن قائم ، وإن شئت قلت زيدا أظن قائما ، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه ، تقول زيد منطلق ظننت ، والسبب فيما ذكرناه أن « ظن » وما أشبه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل ، لأنها لا تؤثر في معمولاتها ، فإذا تقدم دل التقديم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير ، وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغا ، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ، ولا في محل الإهمال من كل الوجوه ، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الأعمال والإلغاء جائزا . واعلم أن الأعمال في حال التوسط أحسن ، والإلغاء حال التأخر أحسن . إذا عرفت هذا فنقول : كلمة « إذن » على هذا الترتيب أيضا ، فان تقدمت نصبت الفعل ، تقول إذن أكرمك ، وإن توسطت أو تأخرت جاز الإلغاء ، تقول أنا إذن أكرمك ، وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين . إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى : فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً كلمة « إذن » فيها متقدمة وما عملت ،