فخر الدين الرازي
10
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قسم ثالث : وهم الذين لم يجزم اللَّه تعالى بقبول توبتهم ، ولم يجزم برد توبتهم . فلما كان القسم الأول : هم الذين يعملون السوء بجهالة ، والقسم الثاني : هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة البأس ، وجب أن يكون القسم المتوسط بين هذين القسمين : هم الذين يعملون السوء على سبيل العمد ، ثم يتوبون ، فهؤلاء ما أخبر اللَّه عنهم أنه يقبل توبتهم ، وما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم ، بل تركهم في المشيئة ، كما أنه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * . المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين أن من تاب عند حضور علامات الموت ومقدماته لا تقبل توبته قال : وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وفيه وجهان : الأول : معناه الذين قرب موتهم ، والمعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت ، كذلك الايمان لا يقبل عند القرب من الموت . الثاني : المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم . المسألة الرابعة : تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين : الأول : قالوا إنه تعالى قال : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ / وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ فعطف الذين يعملون السيئات على الذين يموتون وهم كفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار ، ثم إنه تعالى قال في حق الكل : أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق . الثاني : أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة ، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الأعلام معنى . والجواب : أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 81 ] وأجبنا عن تمسكهم بها وذكرنا وجوها كثيرة من الأجوبة ، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات ، ثم نقول الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات من قوله : أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً هو قوله : وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ فلم لا يجوز أن يكون قوله : أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً عائدا إلى الكفار فقط ، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة ، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك ، فبين أن إيمانهم عند الموت غير مقبول ، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند اللَّه من الفاسق ، فلا بد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله : أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً مختصا بالكافرين ، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والإذلال . أما الوجه الثاني : مما عولوا عليه : فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند المعاينة ، وإذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة ، وهذا لا يخلو عن نوع تخويف وهو كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] على أن هذا تمسك بدليل الخطاب ، والمعتزلة لا يقولون به واللَّه أعلم . المسألة الخامسة : أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت ، الكفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل الصلاة ليس بكافر ، ويبطل به قول الخوارج : إن الفاسق كافر ، ولا يمكن أن يقال : المراد منه المنافق لأن الصحيح أن المنافق كافر ، قال تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] واللَّه أعلم .