فخر الدين الرازي
450
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : في محل الَّذِينَ وجوه : أحدها : قال الزجاج : الجر ، وهذا نعت العبيد ، والتقدير : وما ربك بظلام للعبيد الذين قالوا كذا وكذا . وثانيها : أن التقدير : لقد سمع اللّه قول الذين قالوا إن اللّه فقير ، وقول الذين قالوا إن اللّه عهد إلينا . وثالثها : أن يكون رفعا بالابتداء والتقدير : هم الذين قالوا ذلك . المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه اللّه : القربان البر الذي يتقرب به إلى اللّه ، وأصله المصدر من قولك قرب قربانا ، كالكفران والرجحان والخسران ، ثم سمى به نفس المتقرب به ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لكعب بن عجرة « يا كعب الصوم جنة والصلاة قربان » أي بها يتقرب إلى اللّه ويستشفع في الحاجة لديه . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة فقال : قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بين بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد ، بل على سبيل التعنت ، وذلك لأن أسلاف هؤلاء اليهود طلبوا هذا المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا وعيسى ويحيى عليهم السلام ، وهم أظهروا هذا المعجز ، ثم إن اليهود سعوا في قتل زكريا ويحيى ، ويزعمون أنهم قتلوا عيسى عليه السلام أيضاً ، وذلك يدل على أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز من أولئك الأنبياء على سبيل التعنت ، إذ لو لم يكون كذلك لما سعوا في قتلهم ، ثم إن المتأخرين راضون بأفعال أولئك المتقدمين ومصوبون لهم في كل ما فعلوه ، وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا المعجز من محمد عليه الصلاة والسلام متعنتين ، وإذا ثبت أن طلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ، لم يجب في حكمة اللّه إسعافهم بذلك ، لا سيما وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا الجواب شاف عن هذه الشبهة . المسألة الثانية : إنما قال : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي ولم يقل جاءتكم رسل لأن فعل المؤنث يذكر إذا تقدمه . المسألة الثالثة : المراد بقوله : وَبِالَّذِي قُلْتُمْ هو ما طلبوه منه ، وهو القربان الذي تأكله النار . واعلم أنه تعالى لم يقل : قد جاءكم رسل من قبلي بالذي قلتم ، بل قال : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ والفائدة : أن القوم قالوا : إن اللّه تعالى وقف التصديق بالنبوة على ظهور القربان الذي تأكله النار ، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم : إن الأنبياء المتقدمين أتوا / بهذا القربان ، لم يلزم من هذا القدر وجوب الاعتراف بنبوتهم ، لاحتمال أن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها ، والشرط هو الذي يلزم عند عدمه عدم المشروط ، لكن لا يلزم عند وجوده وجود المشروط ، فثبت أنه لو اكتفى بهذا القدر لما كان الإلزام واردا ، أما لما قال : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ كان الإلزام واردا ، لأنهم لما أتوا بالبينات فقد أتوا بالموجب للتصديق ، ولما أتوا بهذا القربان فقد أتوا بالشرط ، وعند الإتيان بهما كان الإقرار بالنبوة واجباً ، فثبت أنه لولا قوله : جاءَكُمْ . . . بِالْبَيِّناتِ لم يكن الإلزام وارداً على القوم واللّه أعلم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 184 إلى 185 ] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 ) [ في قوله تعالى فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ]