فخر الدين الرازي

442

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره . وثانيها : أن اللّه وعد بنصرة المؤمنين وإذلال الكافرين ، فلما قوي الإسلام عظمت دولته وذل الكفر وأهله ، وعند ذلك حصل هذا الامتياز وثالثها : القرائن الدالة على ذلك ، مثل ان المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الإسلام وقوته ، والمنافقين كانوا يغتمون بسبب ذلك . المسألة الثالثة : هاهنا سؤال ، وهو أن هذا التمييز إن ظهر وانكشف فقد ظهر كفر المنافقين ، وظهور الكفر منهم ينفي كونهم منافقين ، وان لم يظهر لم يحصل موعود اللّه . وجوابه : أنه ظهر بحيث يفيد الامتياز الظني ، لا الامتياز القطعي . ثم قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ معناه أنه سبحانه حكم بأن يظهر هذا التمييز ، ثم بين بهذه الآية أنه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم اللّه على غيبه فيقول : إن فلانا منافق وفلانا مؤمن ، وفلانا من أهل الجنة وفلانا من أهل النار ، فان سنة اللّه جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه ، بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات ، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق ، فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء ، فلهذا قال : وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ أي ولكن اللّه يصطفي من رسله من يشاء فخصهم باعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق . ويحتمل ولكن اللّه يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان ، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : وما كان اللّه ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول ، بل اللّه يخص من يشاء من عباده بالرسالة ، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل . ثم قال : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ والمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم بوقوع / الحوادث المكروهة في قصة أحد ، فبين اللّه تعالى انه كان فيها مصالح منها تمييز الخبيث من الطيب ، فلما أجاب عن هذه الشبهة التي ذكرتموها قال : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني لما دلت الدلائل على نبوته وهذه الشبهة التي ذكرتموها في الطعن في نبوته فقد أجبنا عنها ، فلم يبق إلا أن تؤمنوا باللّه ورسله ، وإنما قال : وَرُسُلِهِ ولم يقل : ورسوله لدقيقة ، وهي أن الطريق الذي به يتوصل إلى الإقرار بنبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام ليس إلا المعجز وهو حاصل في حق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فوجب الإقرار بنبوة كل واحد من الأنبياء ، فلهذه الدقيقة قال : وَرُسُلِهِ والمقصود التنبيه على أن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحد ، فمن أقر بنبوة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوة الكل ، ولما أمرهم بذلك قرن به الوعد بالثواب فقال : وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ وهو ظاهر . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 180 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 ) [ في قوله تعالى وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ] اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة شرع هاهنا في التحريض على بذل المال في الجهاد ، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ببذل المال في سبيل اللّه ، وفي الآية مسائل :