فخر الدين الرازي

426

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ذلك لجحدهم البعث والميعاد ، فكذبهم اللّه تعالى وبين بهذه الآية أنهم يبعثون ويرزقون ويوصل إليهم أنواع الفرح والسرور والبشارة . واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أن قوله : بَلْ أَحْياءٌ ظاهره يدل على كونهم أحياء عند نزول الآية ، فحمله على أنهم سيصيرون أحياء بعد ذلك عدول عن الظاهر . الحجة الثانية : أنه لا شك أن جانب الرحمة والفضل والإحسان أرجح من جانب العذاب والعقوبة ، ثم إنه تعالى ذكر في أهل العذاب أنه أحياهم قبل القيامة لأجل التعذيب فإنه تعالى قال : أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ 25 : نوح ] والفاء للتعقيب ، والتعذيب مشروط بالحياة ، وأيضا قال تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] وإذا جعل اللّه أهل العذاب أحياء قبل قيام القيامة لأجل التعذيب ، فلأن يجعل أهل الثواب أحياء قبل القيامة لأجل الإحسان والإثابة كان ذلك أولى . الحجة الثالثة : أنه لو أراد أنه سيجعلهم أحياء عند البعث في الجنة لما قال للرسول عليه / الصلاة والسلام : وَلا تَحْسَبَنَّ مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك ، أما إذا حملناه على ثواب القبر حسن قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ لأنه عليه الصلاة والسلام لعله ما كان يعلم أنه تعالى يشرف المطيعين والمخلصين بهذا التشريف ، وهو أنه يحييهم قبل قيام القيامة لأجل إيصال الثواب إليهم . فان قيل : إنه عليه الصلاة والسلام وإن كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء عند ربهم عند البعث ولكنه غير عالم بأنهم من أهل الجنة ، فجاز أن يبشره اللّه بأنهم سيصيرون أحياء ويصلون إلى الثواب والسرور . قلنا : قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ إنما يتناول الموت لأنه قال : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال لأنه لا حسبان هناك في صيرورتهم أحياء يوم القيامة ، وقوله : يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ فهو خبر مبتدأ ولا تعلق له بذلك الحسبان فزال هذا السؤال . الحجة الرابعة : قوله تعالى : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ والقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا ، فاستبشارهم بمن يكون في الدنيا لا بد وأن يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بد وأن يكون مع الحياة ، فدل هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة ، وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي ذكره . الحجة الخامسة : ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في صفة الشهداء : « إن أرواحهم في أجواف طير خضر وإنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع اللّه تعالى بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال اللّه تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل اللّه تعالى هذه الآية » وسئل ابن مسعود رضي اللّه عنه عن هذه الآية ، فقال : سألنا عنها فقيل لنا إن الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء ، وفي رواية في روضة خضراء ، وعن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه اللّه ثم قال : ما تريد يا عبد اللّه بن عمرو أن أفعل بك فقال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيها مرة أخرى » والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التواتر ، فكيف يمكن إنكارها ؟ طعن الكعبي في هذه الروايات وقال : إنها غير جائزة لأن الأرواح لا تتنعم ، وإنما يتنعم الجسم إذا كان فيه روح لا الروح ، ومنزلة الروح من البدن منزلة القوة ، وأيضا : الخبر المروي ظاهره يقتضي أن هذه