فخر الدين الرازي
418
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه اللّه : للمن في كلام العرب معان : أحدها : الذي يسقط من السماء وهو قوله : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [ البقرة : 57 ] وثانيها : أن تمن بما أعطيت وهو قوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] وثالثها : القطع وهو قوله : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * [ فصلت : 8 ] وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ [ القلم : 3 ] ورابعها : الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ ص : 39 ] وقوله : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ والمنان في صفة اللّه تعالى : المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنعم عليهم وأحسن إليهم ببعثه هذا الرسول . المسألة الثانية : أن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب اللّه ويوصلهم إلى ثواب اللّه ، وهذا عام في حق العالمين ، لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الانعام الا أهل الإسلام ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] مع أنه هدى للكل ، كما قال : هُدىً لِلنَّاسِ * [ البقرة : 185 ] وقوله : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] . المسألة الثالثة : اعلم أن بعثة الرسول إحسان من اللّه إلى الخلق ثم إنه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الانعام في بعثة الرسل أكثر ، وبعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين : أحدهما : المنافع الحاصلة من أصل البعثة ، والثاني : المنافع الحاصلة بسبب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره . أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها اللّه تعالى في قوله : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] قال أبو عبد اللّه الحليمي : وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه : الأول : أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية ، فهو صلوات اللّه عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها ، وكلما خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها . والثاني : أن الخلق وإن كانوا يعلمون أنه لا بد لهم من خدمة مولاهم ، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة ، فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من / الغلط ومن الاقدام على ما لا ينبغي . والثالث : أن الخلق جبلوا على الكسل والغفلة والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى إنه كلما عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها . الرابع : أن أنوار عقول الخلق تجري مجرى أنوار البصر ، ومعلوم أن الانتفاع بنور البصر لا يكمل الا عند سطوع نور الشمس ، ونوره عقلي إلهي يجري مجرى طلوع الشمس ، فيقوي العقول بنور عقله ، ويظهر لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ظهوره ، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل البعثة . وأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد صلى اللّه عليه وسلم من الصفات ، فأمور ذكرها اللّه تعالى في هذه الآية أولها قوله : مِنْ أَنْفُسِهِمْ . واعلم أن وجه الانتفاع بهذا من وجوه : الأول : أنه عليه السلام ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله وأقواله ، فما شاهدوا منه من أول عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف ، وعدم الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب ، والملازمة على الصدق ، ومن عرف من أحواله من أول العمر إلى آخره ملازمته الصدق والأمانة ، وبعده عن الخيانة والكذب ، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون