فخر الدين الرازي

413

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الحالة الثانية : إذا احتاج اليه ، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به . المسألة الثالثة : أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى : ما كان لنبي أن يخون ، فله تأويلان : الأول : أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] يعني : الإلهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل : اللام منقولة ، والتقدير : وما كان النبي ليغل ، كقوله : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان اللّه ليتخذ ولدا . الوجه الثاني : في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال : إن القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلو لا ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] وقوله : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [ الحاقة : 44 ، 45 ] فقوله : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي ما كان يحل له ذلك ، وإذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره قوله : وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا [ النور : 16 ] أي ما يحل لنا . وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول : حجة هذه القراءة وجوه : أحدها : أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الغلول ، فبين اللّه بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به . وثانيها : أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه / إلى الفاعل كقوله : ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ [ يوسف : 38 ] و ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ [ يوسف : 76 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 145 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ [ التوبة : 115 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل عمران : 179 ] وقل أن يقال : ما كان زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال : ليس في الكلام ما كان لك أن تضرب ، بضم التاء . وثالثها : أن هذه القراءة اختيار ابن عباس : فقيل له إن ابن مسعود يقرأ ( يغل ) فقال ابن عباس : كان النبي يقصدون قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة ؟ وأما القراءة الثانية وهي ( يغل ) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان : الأول : أن يكون المعنى : ما كان للنبي أن يخان . واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد : أحدها : أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش ، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش . وثانيها : أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا . وثالثها : أن المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش . الوجه الثاني : في التأويل : أن يكون من الإغلال : أن يخونه أي ينسب إلى الخيانة ، قال المبرد تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته إلى الكفر ، قال العتبي : لو كان هذا هو المراد لقيل : يغلل ، كما قيل : يفسق ويفجر ويكفر ، والأولى : أن يقال : إنه من أغللته ، أي وجدته غالا ، كما يقال أبخلته وأفحمته ، أي وجدته كذلك . قال صاحب « الكشاف » : وهذه القراءة بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى ، لأن