فخر الدين الرازي

404

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ولكنها لا تدوم ولا تستمر ، بل تنقطع وتفنى ، وكلما كانت اللذة أقوى وأكمل ، كان التأسف والتحسر عند فواتها أشد وأعظم ، ومنافع الآخرة مصونة عن الانقطاع والزوال . وسادسها : أن منافع الدنيا حسية ومنافع الآخرة عقلية ، والحسية خسيسة ، والعقلية شريفة ، أترى ان انتفاع الحمار بلذة بطنه وفرجه يساوي ابتهاج الملائكة المقربين عند إشراقها بالأنوار الإلهية ، فهذه المعاقد الستة تنبهك على ما لا نهاية لها من الوجوه الدالة على صحة قوله سبحانه وتعالى : لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . فإن قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون ، ولا خير فيما تجمعون أصلا . قلنا : إن الذي تجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً ، وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات ، فقيل : المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات . ثم قال : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ . واعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر إلى مغفرة اللّه ، وفي هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم هاهنا بالحشر إلى اللّه ، يروى أن عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه وسلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ، ورأى عليهم آثار العبادة ، فقال ماذا تطلبون ؟ فقالوا : نخشى عذاب اللّه ، فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه ، ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم ، فقالوا : نطلب الجنة والرحمة ، فقال : هو أكرم من أن يمنحكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر ، فسألهم فقالوا : نعبده لأنه إلهنا ، ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون ، فانظر في ترتيب هذه الآيات فإنه قال في الآية الأولى : لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وهو إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه ، ثم قال وَرَحْمَةٌ وهو إشارة إلى من يعبده لطلب ثوابه ، ثم قال في خاتمة الآية : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ وهو إشارة إلى من يعبد اللّه لمجرد الربوبية والعبودية ، وهذا أعلى المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة ، ألا ترى أنه لما شرف الملائكة قال : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [ الأنبياء : 19 ] وقال للمقربين من أهل الثواب : عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] فبين أن هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه ، واستئناسهم بكرمه ، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته ، وهذا مقام فيه إطناب ، والمستبصر يرشده القدر الذي أوردناه . ولنرجع إلى التفسير : كأنه قيل إن تركتم الجهاد واحترزتم عن القتل والموت بقيتم أياماً قليلة في الدنيا مع تلك اللذات الخسيسة ، ثم تتركونها لا محالة ، فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم ، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا وطيباتها ، وبذلتم النفس والمال للمولى يكون حشركم إلى اللّه ، ووقوفكم على عتبة رحمة اللّه ، وتلذذكم بذكر اللّه ، فشتان ما بين هاتين الدرجتين والمنزلتين . واعلم أن في قوله : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ دقائق : أحدها : أنه لم يقل : تحشرون إلى اللّه بل قال : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ، وهذا يفيد الحصر ، معناه إلى اللّه يحشر العالمون لا إلى غيره ، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا ضار ولا نافع إلا هو ، قال تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] وقال تعالى : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الانفطار : 19 ] وثانيها : أنه ذكر من أسماء اللّه هذا الاسم ، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال / على كمال الرحمة وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد . وثالثها : إدخال لام التأكيد في اسم اللّه حيث قال : لَإِلَى اللَّهِ وهذا ينبهك على أن