فخر الدين الرازي
391
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : الباء في قوله : غَمًّا بِغَمٍّ يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة ، كما يقال : هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك ، ويحتمل أن تكون بمعنى « مع » والتقدير : أثابهم غماً مع غم ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه : الأول : وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب أن عصيتم أمره ، فاللّه تعالى أذاقكم هذا الغم ، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب ، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم . الثاني : قال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم / بدر للمشركين ، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم التفات إلى الدنيا ، فلا تفرحوا بإقبالها ولا تحزنوا بإدبارها ، وهو المعنى بقوله : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ في واقعة أحد وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [ الحديد : 23 ] في واقعة بدر ، طعن القاضي في هذا الوجه وقال : إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار ، وذلك كفر ومعصية ، فكيف يضيفه اللّه إلى نفسه ؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم اللّه تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة ، وهو أن لا يفرحوا بإقبال الدنيا ولا يحزنوا بإدبارها ، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير اللّه . الثالث : يجوز أن يكون الضمير في قوله فَأَثابَكُمْ يعود للرسول ، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه ، اغتموا لأجله ، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة ، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم ، فكان المراد من قوله فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ هو هذا ، أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله : غَمًّا بِغَمٍّ بمعنى « مع » أي غما مع غم ، أو غما على غم ، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض ، تقول : ما زلت به حتى فعل ، وما زلت معه حتى فعل ، وتقول : نزلت ببني فلان ، وعلى بني فلان . واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة : فأحدها : غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال . وثانيها : غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك ، وثالثها : غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية ، ورابعها : ما أرجف به من قتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وخامسها : بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها ، وسادسها : غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم ، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام ، وذلك من أشق الأشياء ، لأن الإنسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جباناً ، فإذا أمر بالمعاودة ، فإن فعل خاف القتل ، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة ، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان ، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها : الوجه الأول : أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع ، والغم الثاني ما حصل عند الهزيمة . الوجه الثاني : أن الغم الأول ما حصل بسبب فوت الغنائم ، والغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً . الوجه الثالث : أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا / الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول . والوجه الرابع : أن الغم الأول ما وصل إليهم بسبب أنفسهم وأموالهم ، والغم الثاني ما وصل إليهم بسبب الإرجاف بقتل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه اللّه تعالى قال : وعندنا أن اللّه تعالى ما أراد