فخر الدين الرازي

524

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النص ، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ النساء : 11 ] ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ [ النساء : 9 ] وأما السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « الثلث والثلث كثير إنك ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » . واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام : أحدها : أن الوصية غير جائزة في أكثر من الثلث ، وثانيها : أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله : « والثلث كثير » وثالثها : أنه إذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام : « ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » ورابعها : فيه دلالة على جواز الوصية بجميع المال إذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة ، فعند عدمهم وجب الجواز . الوجه الثاني : تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له ، وذلك لأنه لا يجوز الوصية لوارث ، قال عليه الصلاة والسلام : « ألا لا وصية لوارث » . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمة اللّه عليه : إذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما من التركة ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه لا يجب ، حجة الشافعي : أن الزكاة الواجبة والحج الواجب / دين فيجب إخراجه بهذه الآية ، وإنما قلنا إنه دين ، لأن اللغة تدل عليه ، والشرع أيضا يدل عليه ، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد ، قيل في الدعوات المشهورة ؛ يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، وأما الشرع فلأنه روي أن الخثعمية لما سألت الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : « أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ ؟ فقالت نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام فدين اللّه أحق أن يقضى » إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ قال أبو بكر الرازي : المذكور في الآية الدين المطلق ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم سمى الحج دينا للّه ، والاسم المطلق لا يتناول المقيد . قلنا : هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين ، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة ، وحديث الإطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب واللّه أعلم . المسألة الثالثة : اعلم أن قوله تعالى : غَيْرَ مُضَارٍّ نصب على الحال ، أي يوصى بها وهو غير مضار لورثته . واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه : أحدها : أن يوصي بأكثر من الثلث . وثانيها : أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي . وثالثها : أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة . ورابعها : أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل اليه . وخامسها : أن يبيع شيئاً بثمن بخمس أو يشتري شيئاً بثمن غال ، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة . وسادسها : أن يوصي بالثلث لا لوجه اللّه لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة ، فهذا هو وجه الإضرار في الوصية . واعلم أن العلماء قالوا : الأولى أن يوصي بأقل من الثلث ، قال علي : لأن أوصي بالخمس أحب إليّ من الربع . ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث . وقال النخعي : قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يوص ، وقبض أبو بكر فوصى ، فان أوصى الإنسان فحسن ، وإن لم يوص فحسن أيضا . واعلم أن الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف ، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان