فخر الدين الرازي

376

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بالجفاء ولا يزداد بالوفاء ، فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان حقيقياً ، فلهذه الحكمة قال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم اللّه بالجهاد وتشديد المحنة واللّه أعلم . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 144 ] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) [ في قوله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ] فيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : لما نزل النبي صلى اللّه عليه وسلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ، وأن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم ، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم ، والزبير والمقداد شدا على المشركين ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان ، ثم إن بعض القوم لما أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار ، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسملين ، ورمى عبد اللّه بن قميئة الحارثي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، وأقبل يريد قتله ، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة ، فظن أنه قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال قد قتلت محمدا ، وصرخ صارح ألا إن محمداً قد قتل ، وكان الصارخ الشيطان ، ففشا في الناس خبر قتله ، فهنالك قال بعض المسلمين : ليت عبد اللّه بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . وقال قوم من المنافقين : لو كان نبياً لما قتل ، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم ، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه اللّه تعالى ، ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه ، فقال : يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل ، فقال : إن / كان قد قتل فقد بلغ ، قاتلوا على دينكم ، ولما شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى اللّه عليه وسلم وكسر رباعيته ، احتمله طلحة بن عبيد اللّه ، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي اللّه عنهم ونفر آخرون معهم ، ثم إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم جعل ينادي ويقول : إلى عباد اللّه حتى انحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم ، فقالوا يا رسول اللّه فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين ، ومعنى الآية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فسيخلو كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم ، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه ، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة ، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا . المسألة الثانية : قال أبو علي : الرسول جاء على ضربين : أحدهما : يراد به المرسل ، والآخر الرسالة ، وهاهنا المراد به المرسل بدليل قوله : إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * [ البقرة : 252 ] وقوله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ [ المائدة : 67 ] وفعول قد يراد به المفعول ، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول أي برسالة ، قال : ومن هذا قوله تعالى : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [ طه : 47 ] ونذكره في موضعه إن شاء اللّه